آخر تحديث: 27 / 1 / 2022م - 5:45 م

العمل التطوعي بين التقوقع والانفتاح

زكريا أبو سرير

كثيرة هي الكتابات والندوات والدورات الثقافية والترشيدية التي تشجِّع العمل التطوعي وبروز الجانب الإنساني والاجتماعي ووضعه في أولويات الهرم الاجتماعي، وذلك لأهميته البالغة وتفعيل دوره الاجتماعي، وبفقد فعالية هذا الجناح الاجتماعي المهم يفقد المجتمع جوهره الإنساني وتعاضده ونمو بنيته الفكري والتحتية التنظيمية الخاصة بتشغيل مشاريع المجتمع العلمية والعملية والتطويرية والخدماتية والمرافق العامة، وغيرها من الأمور التي تصنع مجتمعًا تكامليًّا قادرًا على تغطية غالب حاجياته وقادرًا كذلك على مواجهة التحديات، وهذا ما يطلق عليه بالمجتمع القوي والمتحرر من عبودية الآخر.

لهذا بالغ الدين الإسلامي في الاهتمام بهذا الجانب الإنساني والاجتماعي وأعطاه زخمًا وتوجيهًا كبيرًا يدفع نحو العمل التطوعي، حيث قال عز شأنه الكريم: «وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ» ﴿البقرة: 158، وهذه الآية الكريمة تفصح عن مدى أهمية العمل التطوعي، وتبين أن الذين يعملون في الحقل التطوعي، أول من يُقدِّم لهم الشكر هو الله «عز شأنه»، وشكر الله سبحانه لعباده المتطوعين يمثِّل رضاه عنهم، وشكر الله ورضاه لا أحد يستطيع وصفهما، إلا أننا نؤمن بأن رضا الله سبحانه يعني بشائر طيبة لعباده في الدنيا والآخرة، ومنها دخولهم في رحمته وبركاته الواسعة التي تشمل المكافآت الإلهية النازلة من السماء إلى الأرض والصاعدة من الأرض إلى السماء، والله يبارك لهم ويتتبع أعمالهم، وعين الله تحرسهم، لهذا أخذ العمل التطوعي هذه الأهمية والمكانة الإلهية، لأنه يقوم بصناعة مجتمع قوي وقيادي قادر على الاعتماد على نفسه، حيث يصبح غنيًّا بثروته البشرية وبإمكانياته الهائلة.

ومن هنا فإننا نرى المجتمعات المتحولة نحو الفكر الحداثي والتقدمي والتطويري والصناعي تقاس بعمق إنسانيتها وتعاضدها الاجتماعي عند بروز مجتمعاتها بثقافة العمل التطوعي كمؤشر رئيس على اهتمامها بأبعاده الإنسانية وبالنمو في البنية الاجتماعية البشرية، لأن الإنسان يظل هو الثروة الحقيقية لها، وهو المحور الرئيس للتطوير والتغيير.

وأخذت تلك المجتمعات تؤسس منهجها التربوي والتعليمي والثقافي منذ الحضانة إلى ما لا نهاية في زرع وبث روح العمل التطوعي الإنساني في وجدانهم، بل لم تكتفِ بحصر العمل التطوعي فيما بينهم أو في بيئتهم أو مجتمعهم أو بلدانهم، بل أطلقوا مفهومه ليكون مفهومًا توسعيًّا أمميًّا لا حدود له، وحتى مشاريعهم التطوعية التي أسسوها في عمق مجتمعاتهم أخذوا في التوسع والتبشير بها في أقطار العالم لكي يستفيد منها أكبر عدد من الناس حول العالم، ولكي يكونوا هم سادة العالم في هذا البعد الإنساني الراقي.

هنا يفاجِئنا بعض العاملين والناشطين في العمل التطوعي في إظهار مفاهيم مغالطة تمامًا لمفهوم العمل التطوعي كاحتكاره أو تقوقعه اجتماعيًّا أو محليًّا أو مناطقيًّا، فهذه المفاهيم الضيقة والمغالطات اللامسؤولة تدمر العمل وفكرته وتعجل بموته سريريًّا، بسبب احتكار العمل التطوعي بينهم أو في بيئتهم أو مجتمعهم، وكأن تلك الفكرة أو البذرة الطيبة التي انطلقت منهم لا ينبغي لها «أو لا تصلح» أن تزرع في أرض غير أرضهم! وبالتالي أصبحت وكأنها ملكية فكرية غير قابلة للتحليق إلا في أجواء مجتمعهم.

وهذا الاحتكار والتقوقع، بلا شك يصنع روحًا فردية أنانية ضعيفة وهشة بحيث أن أي مرض اجتماعي يعصف بها سواء أكان داخليًّا أم خارجيًّا يهلكها ويدمر كيانها؛ لأن التقوقع يصنع الضعف والهوان والموت السريري شئنا أم أبينا حتى يصل الأمر إلى موت تلك الفكرة أو ذلك العمل، وعكس هذا المفهوم تمامًا عندما تطلق العمل التطوعي وتوسعه. عندها سيشكل لك قوة ودعمًا واستمرارية البقاء والعطاء، لأنك بكل بساطة تقوم بتجديد دمائِه وفكره بين الفينة والأخرى، وهذا هو المراد والمطلوب، وبذلك تضمن تطويره بتنوع أفراده وفكره وأماكنه، وعندها يصدق على عملك قول: ”الصدقة الجارية“.

العمل التطوعي بطبيعته يصنع روحًا إنسانية مُحبة للآخرين، ويبعد عنه روح الأنانية ”الأنا“ النابعة من حالة التملك وحب الذات وبعده عن ثقافة الشيفونية البغيضة، ومن طبيعة الإنسان الكونية أنه لا يمتلك الكمال، أو القدرة على الاستمرارية بقوة ما بدأ بها، بحيث أن يكون مستوى عطائِه الفكري والجسدي بنفس المستوى الذي بدأ به، إذ لابد له من الوصول إلى نقطة النهاية، بحيث يبدأ فيها بضعف الأداء بحكم تدرج العمر وتغير الآليات، وبالتالي يحتاج في يوم من الأيام أن ينتقل من العمل الميداني إلى العمل الاستشاري أو ما يماثله أو يتوقف عن العمل التطوعي نهائيًّا، وذلك لأسباب تغيرية أو علمية أو صحية، وفي بعض الأحيان يصل إلى حالة الاكتفاء والتشبع، وهذه سنة الحياة وهي حقيقة لا مفر منها، ومثل هذه الأسباب وغيرها يتطلب إيجاد من يكمل المسيرة ويرعى سقي هذه الشجرة الطيبة، ولا يكون ذلك إلا عبر تحقيق مفهوم الشراكة من عدة أطياف مختلفة وأماكن متعددة حتى نضمن بقاءَها وقوتها وعطاءَها لفترة زمنية أطول، لكي تظل ثمارها يانعة تُقطف في كل حين بإذن ربها.

رسالتي إلى كل من يعمل في الجانب العمل التطوعي سوء أكانوا أفراد أم مؤسسات، أن لا تؤطروا العمل التطوعي مناطقيًّا أو مجتمعيًّا أو فرديًّا، وأن لا يفكر/ يفكروا وضع هذا العمل الطيب والمبارك في صندوق حديدي محكم، ولا يخرج من ذلك الصندوق إلا حين يريدونه أن يكون في ذلك المكان المعين أو عند الفئة المعينة الذي يرغبون فيه؛ لأن نتائج هذا الاحتكار والتقوقع سوف تكون وخيمة جدًّا عليهم، فضلًا عن خسائرهم التدريجية لهذا المشروع التي سوف يؤدي إلى موت تلك الفكرة وذبول تلك الشجرة الذي كانت تعطي ثمارها الطيبة كل حين. سوف تصبح «لا سمح الله» شجرة بلا أغصان ولا ثمار ولا جذور، لأن كل ما هو خلاف العقل والمنطق فهو في طريقه إلى الفناء، ذلك أن التقوقع والاحتكار يضعف موارد القوة لهذا المشروع أو الفكرة، حيث ستجد هذه الشجرة المثمرة بالتدريج نهايتها وهو التوقف عن العطاء، وبالتالي التوقف عن الحياة «أي الموت»، وتبقى سنة الانفتاح والتوسع هي الضامنة للبقاء والعطاء لاستمرارية الفكرة أو المشروع، وبالتالي تكون بالفعل مصداقًا لمفهوم الصدقة الجارية والباقية.