آخر تحديث: 27 / 1 / 2022م - 4:44 م

علم السياسة والإيديولوجيا

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

قبل أسبوعين من هذا التاريخ، نشرنا مقالاً حمل عنوان «العلم والسياسة»، أشرنا فيه إلى أن الفكر السياسي امتلك استقلالاً نسبياً عن السلطة السياسة إبّان عصر الأنوار الأوروبي، لكن هذا الواقع تغير بشكل دراماتيكي، بعد قيام الدولة القومية، وكسر الحدود، وبداية عهد الاستعمار الحديث. لقد بات الفكر تابعاً للدولة، وبشكل خاص في مرحلة ما بعد الحداثة. وقد وعدنا باستئناف مناقشة هذا الموضوع.

وحتى لا تكون قراءتنا استغراقاً في التنظير، سيكرّس هذا المقال لتقديم شيء من التفصيل، للتأكيد على أن علم السياسة الحديث لم يعد مستقلاً بذاته.

تجدر الإشارة إلى أن دراسات السياسة المقارنة الحديثة، خرجت من رحم المدرسة الأمريكية فيما بعد المرحلة «السلوكية»، وكان علم السياسة قبلها يكتفي بالتوصيف، ورصد سلوك القادة ومن حولهم من صناع القرار. وقد نوهنا عند مناقشتنا لهذا الموضوع، بأن علم السياسة الحديث تأسس ضمن ردود الفعل الغربية، تجاه الأفكار اليسارية التي سادت أثناء الحرب الباردة، في مطالع الخمسينات من القرن الماضي، ولم تنته إلا بسقوط الاتحاد السوفييتي في التسعينات من القرن ذاته.

إن قراءة سِير الرؤساء الأمريكيين ومستشاريهم لشؤون الأمن القومي، توضح بجلاء صحة رؤيتنا تجاه العلاقة بين علم السياسة والسلطة السياسية. فكل نظرية سياسية جرى طرحها في أمريكا، بعد الحرب العالمية الثانية، اضطلعت بالتبرير لسياسات تبنتها إدارات أمريكية مختلفة.

فعلى سبيل المثال، طرح والت روستو، مستشار الرئيس الأمريكي جون كنيدي لشؤون الأمن القومي، نظرية المراحل stages، التي قال فيها إن العالم بأسره سيتجه نحو الديمقراطية، بما في ذلك دول العالم الثالث. وليس شرطها أن تكون هذه الدول ضمن المجمع الصناعي. لقد ركز برنامج كنيدي الانتخابي على إشاعة الديمقراطية في العالم، وبشكل خاص في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية: دول أمريكا اللاتينية. وقد جاءت تنظيرات روستو حول التمدين والتحول الديمقراطي متماهية مع برنامجه الانتخابي، وداعمة لتوجهاته.

وفي عهد الرئيس ليندون جونسون، تصاعدت الحرب الأمريكية في فيتنام، واتسعت دائرتها لتشمل كمبوديا ولاوس، وكان هذا التدخل، مناقضاً لأطروحات الديمقراطية، ومناصراً لنظام ديكتاتوري بقيادة فان ديام. وقد اعتبر هذا التدخل عملاً شنيعاً، ومناقضاً للثقافة والمبادئ الأمريكية. وبالمثل، أيدت إدارة جونسون الانقلاب العسكري في إندونيسيا ضد أحمد سوكارنو. وهنا انبرى صامويل هنتنجتون للتنظير لهذه الحرب، بطرح نظرية «التنمية من الأعلى» Development from above، وفيها أشار إلى أن شعوب العالم الثالث عصية على التحول الديمقراطي، وأن التنمية فيها ينبغي أن تكون سابقة على هذا التحول. وهو بهذا الطرح يضع منهجاً أيديولوجياً ذرائعياً لتبرير سياسات جونسون في الهند الصينية. وقد كان لهنتنجتون تنظيرات أخرى بعد عقود عدة، حول صراع الحضارات.

وفي عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، عيّن هنري كيسنجر، مستشاراً لشؤون الأمن القومي. وقد صاغ كيسنجر «نظرية القوة» Power Theory، التي باتت تدرس في الجامعات، في مجال العلاقات الدولية. وقد أشار فيها إلى أن أمريكا ينبغي أن تؤكد حضورها العسكري لجميع دول العالم، وأن التلويح أو المبادرة باستخدام القوة، لا يكون في حالة استباق لتهديد محتمل فقط، بل ينبغي أن يكون جزءاً من استعراض القوة. وكانت تلك عقيدة الرئيس نيكسون أثناء رئاسته، وبشكل خاص في الدورة الرئاسية الأولى.

هذا الواقع تغير كثيراً، بعد وصول جيمي كارتر لسدة الرئاسة، حيث ركز أثناء حملته الانتخابية على حقوق الإنسان، ونأى ببلاده عن الحروب الاستباقية والعدوانية. وجاء تعيين بريجنسكي مستشاراً للرئيس في شؤون الأمن القومي، متماهياً مع نهج الرئيس الجديد. فبريجنسكي هو صاحب نظرة القوة والمبادئ Power and principles. وجاءت منسجمة مع المبادئ التي تبناها الرئيس كارتر، خلال حملته الانتخابية وتمسك بها أثناء فترة رئاسته.

وفي بداية هذا القرن، وصل جورج بوش الابن لسدة الرئاسة، محاطاً بالمحافظين الجدد، وبتنظيرات ريتشارد بيرل التي صاغت الذرائع لشن الحرب العالمية على ما أطلق عليه بالإرهاب، وتسببت باحتلال أفغانستان والعراق. ولا تزال نتائجها ماثلة للعيان حتى يومنا هذا.

وبالإمكان الاستمرار في تقديم المزيد من الأمثلة، لكن ما أشرنا له كافياً لتأكيد أن علم السياسة فقد مسمّاه وصفته الحيادية الصارمة والدقيقة وتحول إلى أيديولوجيا ذرائعية بيد السلطة السياسية، يبرر مناهجها وسطوتها.

الحاجة ماسة، لبروز علم سياسة جديد، علم يعتمد الحياد والمعايير الدقيقة والصارمة، ويحقق الاستقلال النسبي، عن السلطة السياسية، ويكون هدفه الأول والأخير، خدمة البشرية.