آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 7:37 ص

أوهى من بيت العنكبوت

قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ العنكبوت الآية 41.

يصف سبحانه وتعالى بيت العنكبوت بالوهن أي الضعف وسرعة تقطعه إن وقعت عليه يد إنسان بل ولو شيء له وزن خفيف، وهذا التصوير البلاغي الجميل له هدفه ومقصده المتمثل بالتدبر في هذا المشهد، وهو أن البيت المنسوج وإن كان العنكبوت يتحصل منه على السكنى وجعله مصيدة لافتراس الحشرات الضعيفة، وهذا ما يجعل هذا البيت ذا بعدين مختلفين: فهو يمثل الضعف والتهري مع وقوع ما له وزن عليه، والآخر هو القوة والمنعة إن وقعت فيه الحشرات فلا مفر ولا خلاص لها بعد أن تلتصق به، وذلك أن هذه الخيوط تلتف على الفريسة فتمثل المقصلة التي وضعت تحتها رقبتها، وما عليها سوى انتظار مجيء العنكبوت ليمزق جسدها ويلتهمها، فهل وعينا جيدا هذه الصورة لنطبقها كدرس مهم في حياتنا فننجو من مصيدة العناكيب في أفكارنا وسلوكياتنا؟!

والنسيج الواهي لبيت العنكبوت مضرب مثل لكل حالة ثقافية أو اجتماعية أو أسرية تجدها في ظاهرها كالبنيان المحكم، ولكن ما إن تقترب منه وتلامسه حتى تجده ضعيفا يتقطع ويختفي بسرعة ويتهاوى وكأنه لا شيء، فالآراء التي تأخذ صورة فكرة قائمة على مستند ولكن ما إن تتناولها حتى تجدها ثغاء كثغاء السيل ومتهاوية البناء البرهاني، وكذلك العلاقات القائمة على النفعية بين الأطراف والتعامل الخشن الخالي من القيم الأخلاقية والتربوية فإنها ستكون كبيت العنكبوت المتهاوي.

تثار الكثير من الشبهات على المستوى العقائدي والثقافي والاجتماعي لا بغرض الوصول إلى الحقيقة وبث ما يخامر العقل من نقاط وإثارات، وإنما هي تقع في نقاط الهجمات المراد بها زعزعة القيم والثوابت، وهذه يصدق عليها وهن العنكبوت في نسيجها الذي يظنه صاحبها بالقوة والمتانة الاستدلالية المفحمة، ولكنها تتقطع سريعا أمام البراهين المحكمة ولا تصمد أمامها، وإنما نسجها أصحابها لاصطياد الفرائس الضعيفة.

كما أن البعد العقائدي المذكور في الآية الكريمة هو أجلى مصاديق الوهن في بيت العنكبوت، فمن اتخذ آلهة تعبد من دون الله تعالى كالأصنام وغيرها فجعلها مدبرة أمره ويلجأ إليها في أوقات الشدة والضر فأموره وهن على وهن، فتلك المألوهات لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا فهي أعجز من تدبير شيء لغيرها، فمن جعل قبلة قلبه وحركته مرهونة بتلك الأوثان فهو كمن يحتمي ببيت في ضعفه كبيت العنكبوت لا يدفع عنه شيئا أبدا.

وعلى مستوى المحيط الأسري فإن بعض البيوت تشابه النسيج الأسري للعنكبوت والقائمة على العدوانية وتفكك الروابط، فأنثى العنكبوت ما إن ينتهي تلقيحها حتى تعمد إلى قتله وافتراسه في تصرف عدواني غريب وأما أولادها فيسود بينهم التقاتل والتناحر، فهذه العدوانية تحكم علاقات هذا البيت المتهاوي والذي تتقطع أوصال علاقات أفراده بأبشع الصور، وهكذا نجد من البيوت ما تعاني من تفكك الروابط بين الزوجين ولا يعود سكنهما الهانيء المريح، بل هو مرتع الخلافات والنكد والخصومات والحوارات الساخنة التي لا تهدأ، فالقرآن الكريم يعبر عن الزوجة المحبة والمنسجمة مع زوجها بالسكن الهاديء الجميل الذي يرتاح فيه من ضغوط الحياة وهمومها، بيت يتبادل فيه الزوجان أسمى المشاعر الصادقة ويتمتعان بعلاقة مستقرة تقوم على التعاون والثقة والتفاهم حول محطات حياتهما المستقرة، وأما تلك البيوت التي يصدح فيها صوت الأنانية والمنفعية والطغيان وغياب أبجديات التفاهم والاحترام فهي بيوت كبيت العنكبوت، واهية تتمزق عرى تلك العلاقة وتسود مشاعر الغربة والكراهية حتى الوصول إلى محطة الصمت والتنافر والتفكير بإنهاء علاقتهما التي شهدت توترات ومشاحنات مستمرة.

وكذلك على مستوى علاقات أفراد الأسرة تشهد ازدهارا وقوة وتفاعلا إذا تمت تربيتهم على المحبة والاحترام والتعاون والإشفاق على البقية، وأما إذا تربوا على الأنانية والتنمر والتحفز على العدوانية في التعامل، فبالتأكيد ستؤول علاقتهم إلى التلاشي والدخول في خصومات وأحقاد مستحكمة، فهذه البيوت الواهية في نسيج علاقة الزوجين والأبناء أوهى من بيت العنكبوت.