آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 12:34 ص

الموضوع: رؤية الآثار

قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ[الأنعام الآية 11].

باب المعرفة للإنسان له روافد لابد من الانطلاق نحوها للتخلص من دوائر الجهل والغفلة، فالدوائر الضيقة للتصورات الذهنية وطريقة التفكير البسيطة مردها إلى فقدان العقل لخيوط المعلومات التي ترتقي به نحو هرمية التفكير المنطقي من الاستنتاج ونحوه، والآية الكريمة توجه عقولنا إلى هذا الرافد المهم والنظر في آثار وأحوال الناس من حولنا والأمم من قبلنا، فإن هذه الدراسة التأملية والتتبعية ورحلة المعرفة ستكون خير موجه لنا في هذه الحياة، ستجنبنا بالتأكيد ما وقع فيه غيرنا من أخطاء وتساعدنا على تلافي الحفر الفكرية والظواهر السلوكية التي سقطوا فيها، كما أننا نغتنم المزايا والخصائص الإيجابية والخصال الحميدة مما نتعرف عليه من طرق التفكير الواعية والخصال الحميدة الفردية والمجتمعية، فمن نعم الله تعالى علينا أن يقدم لعقولنا ووجداننا هذه الكمية المعرفية الهائلة من خلال تعقب أحوال وأحداث الأمم.

السير في الأرض إشارة إلى بذل الجهد وتحريك القدرات الفكرية بالنظر إلى ما حولنا من الناحية الزمانية والمكانية، فالزمانية تتعلق بالنظر والاعتبار من أحوال الماضين ممن سبقونا ورحلوا، فهم يمثلون في مجمل حياتهم تجربة ثرية بالمعاني والدروس التي نعيها ونستلهمها، فما جرى عليهم ويجري علينا يخضع لما نسميه بالسنن الإلهية في العباد، فتعلق النفس بالشهوات والأهواء الموازية للغرائز المتفلتة سيؤدي بالمرء إلى نفس النتيجة من السقوط، فالتعلق بالمال لحد الطمع أو البخل وتصور أنه مصدر السعادة الحقيقي لن يأتي إلا بنتيجة واحدة وهي طغيان المرء كقارون وغيره ممن رحلوا ولم يأخذوا معهم إلى عالم الآخرة والحساب شيئا من المتاع، فإذا توهجت في النفس المطامع فسنكون نسخة مكررة ممن سبقونا ولم نستفد شيئا من دروس الحياة حينئذ، وكذا ممارسة بقية الآفات الأخلاقية والعيوب التي تذهب بالكرامة الإنسانية وتورث السقوط والدناءة.

وفي المقابل فإن هناك شخصيات خالدة لا يمكن لعاقل أن يمر عليها مرور المرام ولا يتصفح معالم سيرتها ومواقفها الرائعة، فالكمال الإنساني يعني التزود بالمكارم والصفات الحميدة وتنمية القدرات والملكات؛ ليكتسي المرء برداء الحكمة ونضج العقل في مراوحته ودراسته للأحداث والشجاعة في المواقف والاستقامة السلوكية، ولن يكون له زاد ومنهج قويم يرتقي بشخصيته كالسير في الأرض من خلال التأمل في سيرة الأولياء الصالحين، ممن عمروا الأرض بمواقف وحكم منطقية يقتدي بها الإنسان ويجعلها مذكرات له في الحياة، وهذا القرآن المجيد يستعرض لنا في مواطن كثيرة مواقف وجهاد الكلمة والحوار للأنبياء مع أقوامهم ودعوتهم إلى الصراط المستقيم ومكارم الأخلاق، وهذه القصص حقيقة بالتأمل والاعتبار واستخلاص الدروس والعبر فإنها سنن تجري على العباد.

كما أن الآية الكريمة تدعو إلى إعمال الفكر وتفعيله من خلال النظر في آيات الله المبثوثة فيما حولنا، فإن تكاملها يدل على صانع حكيم مؤثر في تدبير شؤونها وفق نظام بديع «دليل النظام»، وأما أولئك المكذبون بآيات الله والمعرضون عنها ممن عميت بصيرتهم وأصابتهم آفة الغفلة وأعرضوا عن تلك الدلالات والبراهين المورثة لقناعة إيمانية راسخة وبطلان عبادة تلك المألوهات الزائفة التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.

والسير في الأرض أحد موارده الوقوف على الآثار المتبقية من الدور المهدمة التي آلت إلى الخراب والدمار، فهؤلاء عاشوا ردحا من الزمن وملؤهم الحيوية والقوة ثم مضوا وأصبحت سيرتهم صفحة مطوية، فهل نعي حقيقة الرحيل يوما وطي سجل الأعمال والأعمار كما مضى من كانوا قبلنا فلم يبق منهم إلا رسم القبور وشواهدها، أم تخيم علينا الغفلة ويحذونا التسويف والانغماس في الملذات؟!

السير في الأرض رحلة معرفية تتحرك من خلالها العقول وتتفاعل مع الأحداث والحركة الزمانية للبشر، ينطلق المرء ليكون معالم فكره وسلوكه وقد استحصل عين اليقين والقناعة الراسخة بالضعف البشري أمام الفناء.