آخر تحديث: 21 / 9 / 2019م - 10:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

«صفقة القرن».. حقيقة أم وهم؟

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

في لقاء جمعني مع مجموعة من المثقفين المصريين، بالقاهرة، كانت الهموم العربية، حاضرة في مناقشاتنا. وحين يكون الحديث عن الهموم العربية، تحضر فلسطين ومعاناة شعبها سواء ما هو جاثم تحت حراب الاحتلال، أو مشرد في المنافي والشتات. ومع مناقشة القضية الفلسطينية، انتقل الحديث عن «صفقة القرن» المزمع الإعلان عن تفاصيلها بعد نهاية شهر رمضان المبارك، وفقاً لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبعض أقطاب إدارته.

الغريب في شأن هذه الصفقة، أن الإعلان عن تفاصيلها، تأخر أكثر من ثلاث سنوات، من إفصاح الرئيس ترامب، أن لديه صفقة لتسوية الصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي». ولم يكن تأخير الإعلان عن تفاصيلها من قبل الرئيس الأمريكي اعتباطياً، بل كان أمراً مقصوداً. والهدف هو إعداد المسرح السياسي عربياً ودولياً وإقليمياً لقبولها. ولا شك أن التردد في الإعلان عن التفاصيل، ينطوي على خشية الإدارة الأمريكية من رفض الأطراف المعنية بالصراع، تقديم التنازلات التي تتضمنها الصفقة، لكي يمكن تحقيقها.

ومع أن موعد إعلان الصفقة قد تأخر كثيراً، لكن تسريبات الصحف الأمريكية والعالمية بشأنها، قد كشفت الكثير عن مضامينها، كما عرت أسباب تأخر الإعلان عنها. فالتنازلات والتضحيات التي يفرضها تطبيق تلك الصفقة، هي من جانب واحد، هو الجانب الفلسطيني والعربي. ولا تحقق أياً من طموحات الشعب الفلسطيني، نحو الحرية وإقامة الدولة المستقلة. بمعنى أنها تنازلات من غير مقابل سياسي. وجل ما تعد الفلسطينيين به، بالأراضي المحتلة، هو بعض التحسن لأوضاعهم الاقتصادية، وبأموال عربية أيضاً. أما حق العودة، وعروبة القدس، والدولة الفلسطينية، فإن الصفقة تتنكر لها بالجملة والتفصيل.

ولا تكتفي الصفقة الموعودة بذلك، بل تطلب نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، والتسليم بشروط الاحتلال، والخضوع التام لهيمنته والتسليم باليهودية الخالصة للكيان الغاصب.

تؤكد أحداث السنوات التي مضت، أن الكثير من بنود هذه «التسوية»، جرى تنفيذها بقوة الأمر الواقع، من قبل الاحتلال، وبدعم أمريكي مباشر. فحق اللاجئين الفلسطينيين، في العودة إلى ديارهم لم يعد أمراً مطروحاً الآن من قبل المجتمع الدولي. والواضح أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، لم تعد في وارد التمسك به. وكل ما تطرحه هو تعويض اللاجئين الفلسطينيين مقابل تشريدهم من وطنهم.

في هذا السياق، وضع الرئيس ترامب فلسفة خاصة، اختزلت معنى اللاجئ الفلسطيني، في من أجبر على مغادرة فلسطين، ولا يشمل ذلك أولاده ولا أحفاده. ووفقا لهذه الرؤية، فإن من تبقى من لاجئي عام 1948م، هم قلة قليلة من العجزة والشيوخ الذين لا يتجاوز تعدادهم المئات، في أحسن الأحوال.

أما حق الفلسطينيين، في أن تكون القدس عاصمة دولتهم المرتقبة، فقد جرى شطبه، من الأجندة الأمريكية، وتفرد الرئيس ترامب، دون سائر الرؤساء الأمريكيين، ودول العالم الأخرى، بنقل سفارة بلاده إلى القدس. بل وتمادى أكثر من ذلك، فأقر احتلال «إسرائيل» لمرتفعات الجولان السورية، ضارباً بالحائط قرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها قرارات مجلس الأمن، التي اعتبرت فرض القوانين «الإسرائيلية» في مرتفعات الجولان السورية، خرقاً للقوانين الدولية.

وحتى ما تم من تسريبات، حول ما تضمنته «التسوية» من ربط «إسرائيل» اقتصادياً بالأقطار العربية، فالأمر ليس جديداً، بل إنه مشروع ارتبط بما أطلق عليه في مطالع الثمانينات من القرن الماضي بالشرق الأوسط الكبير، وكان رئيس الوزراء «الإسرائيلي» السابق، شيمون بيريز هو مهندس هذا المشروع، الذي اعتبره بوابة لتحقيق السلام الشامل في المنطقة بين كيانه، والأمة العربية جمعاء.

الأمر الأخطر، في تسريبات الصفقة، هو مشروع التوطين، واقتطاع أراض مصرية، لتكون بديلاً عن الأراضي التي تحتلها «إسرائيل» ولتكون الموطن الجديد للفلسطينيين. وأيضا توطين الفلسطينيين المقيمين في لبنان والأردن وسوريا، ومنحهم جنسيات البلدان التي يجري توطينهم فيها. والتنكر لحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

ورغم خطورة هذه التسريبات، فإن تطبيق بنودها هو رهن بموافقة الفلسطينيين والعرب عليها. والواضح للعيان أن السنوات الثلاث التي مضت، لم تقرب ترامب قيد أنملة من تحقيق أي من أهدافه الرئيسية المعلنة، رغم الاختبارات المتكررة لصمود الفلسطينيين في الضفة، والاعتداءات المتكررة على قطاع غزة.

فقط أعلن رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن وقيادة السلطة، ومنظمة التحرير، الرفض القاطع للصفقة، وأعلنوا بوضوح أنهم لن يضعوا توقيعهم عليها. وبالمثل، أعلنت جميع حركات المقاومة رفضها وتصديها الواضح والمعلن لها.

كما فشلت زيارة وزير الخارجية الأمريكي للبنان، التي كان الهدف منها إقناع الحكومة، بالقبول بتوطين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، مقابل شطب الديون المتراكمة على لبنان، والتي تقدر ب110 مليارات دولار.

لا أحد يتوقع من الحكومة المصرية، ولا من شعب مصر، التنازل عن شبر واحد من الأراضي، لتنفيذ مشروع الوطن الفلسطيني البديل على الأراضي المصرية. ولن يقبل الأردن، بمشروع التبادل مع الكيان الصهيوني، حيث الأرض للاحتلال «الإسرائيلي» والسكان الفلسطينيين للأردن. وقد كان الرد واضحاً وجلياً من قبل الملك الأردني عبدالله الثاني، والرئيس المصري السيسي، في رفض مشروع الوطن البديل، الذي طرحه ترامب.

نجاح الصفقة، هو رهن بوضع مختلف الأطراف المعنية بالصفقة بصمتها وتوقيعها عليها. وما دامت كل هذه الأطراف قد أعلنت بوضوح رفضها لها، فإن الإفصاح عنها في الشهر المقبل، إن حصل هو مراهنة على الوهم، ويبقى تمسك الفلسطينيين بحقوقهم الثابتة، واستمرار كفاحهم من أجل تحقيقها، هو الضمان لتحقيق هدفهم في الدولة المستقلة، وحق تقرير المصير.