آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر العافية: 27 - هل الله وهم؟ «أ»

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «1» اللَّهُ الصَّمَدُ «2» لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ «3» وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ «4» - صدق الله العظيم - الإخلاص.

لريتشارد دوكنز كتاب بعنوان ”وهم الإله“ وفي مقدمته يتحدى القراء بأنهم سيغيرون آراءهم مع نهاية الكتاب. سألني أحدهم وهو على وجل: من قرأ الكتاب وهل ما يقوله دوكنز صحيح؟ قلت له إني قرأته ولكنه لم يؤثر على قناعاتي في شيء بل وجدت بعض أسئلته غبية وتنم عن فكر محدود بالقدرات والتصورات البشرية، وبعضها مثل أسئلة الأطفال. مشكلة دوكنز أنه رَبَا في بيئة مسيحية وقَاسَ أفكارهم وكتبهم المقدسة على الجميع، ومما رسخ قناعاته إصرار الكنيسة والمسيحيين على الأخطاء الموجودة في كتبهم وتراثهم ومثل ذلك أن الكون خُلق في ستة أيام أرضية، وأن الأرض مسطحة ومركز للكون، وأن عيسى رب والله ضحى بابنه لأجل البشرية،... الخ. المشكلة الثانية التي وقع فيها دوكنز أنه تخصص في الأحياء الدقيقة وأبدع فيها وقاس كل الكون على ما وجده في الخلية، بالرغم من أن الأرض مجرد هباءة في هذا الكون الفسيح، والخلية لا تمثل أي شيء بالنسبة للأرض. ليس هو الكتاب الوحيد الذي قرأته لدوكنز إذ قرأت له بعض المؤلفات واستفدت من كتاباته، خصوصا ”الجينة الأنانية“. هذا الكتاب بالذات قوّى لدي المناعة ووثق إيماني بالله أكثر فأكثر.

أتعجب كثيرا من الذين يأمرون أتباعهم بعدم قراءة الكتب المشكِّكة وكأن هؤلاء يوحون أن ما عندهم هش وأنهم يعترفون أن أتباعهم من الجاهلين الذين لا يصمدون أمام أي تساؤلات خارجية وأن الآمرين لا يستطيعون أيضا الإجابة على تلك الأسئلة المطروحة؟!

هناك مشاكل وقعت فيها الكنيسة كما وقعت بعدها المعابد المختلفة التي لم تتعلم مما حصل للكنيسة وليس كأن السعيد من اتعظ بغيره. في جوهر العلم، يقول كارل ساگان: ”حين وجد يوهانس كِپلِر أن اعتقاداته التي تعلق بها لوقت طويل لم تعد تتوافق مع أدق الملاحظات، تقبّل الحقائق غير المريحة. لقد فضل الحقيقة على أعزِّ أوهامه، وهذا هو جوهر العلم“. لهذه المشاكل إرهاصات وتكدّسات جعلت أهل العلم التجريبي يبعدون عما تطرحه المعابد لأن الأول يتكلم بعلم محكم بينما الآخر يتكلم بأوهام وتصورات وأمنيات. كما أن رجال المعابد جعلوا أنفسهم متحدثين باسم الله وأنّ الوصول إليه لا يمكن إلا أن يتم من خلالهم «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»، وهذا فعلا أمر عجيب؛ كيف يتحدث عن الله ويتجرأ عليه من يعرف عظمته وجلاله؟ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. كما أن الإنسان ظلوم جهول يعطي نفسه أكثر مما يستحق نظرا لما يوهمه لاشعوره «كما ذكرنا من قبل» وهو النفس الأمارة بالسوء: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. جهله جعله يظن أنه متحدث رسمي باسم الله على الأرض وبأنه يستطيع أن يُلْغِي العلم في سبيل ترجيح أوهاما ورثها؛ جيلا بعد جيل.

الله سبحانه ليس وهما كما يتصور البعض «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ». الوهم الذي يحمله رجال المعابد والبسطاء من الناس ليس من الله في شيء «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»؛ هذا مجرد تصورهم وتوهمهم، وهذه قدر عقولهم المحدودة «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً». ما يحزن أنهم يصرون على أن أوهامهم من عند الله «وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»، وهنا ييأس أهل العلم التجريبي منهم. هؤلاء مساكين؛ يظنون أنهم يدافعون عن الله وأنه سبحانه بحاجة إليهم ليتكلموا عنه «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ». دوكنز وجماعته يذهبون ليضربون الجوهر الذي تقوم حوله الكثير من المعابد، ألا وهو الله العزيز الحكيم، وتعالى الله عما يصفون ويتصورن، والعياذ بالله من الجحود والنكران.

الحصيلة العلمية التي يحملها رجال المعابد بسيطة جدا، وهذا لا يخفى على من عنده قدر متوسط من العلم، إلا من رجح أوهامه على ما تراه عينه، وهذا طبعا بسبب خداع اللاشعور للمرء؛ البسيط من هؤلاء الناس معذور، ولكن لا عذر لمن تعلم وعرف.

للعلم بعدان؛ فلسفي وعملي. دوكنز من الذين ركزوا على العملي منه وتجاهلوا الفلسفي. أكثر رجال المعابد ركزوا على الفلسفي «هذا إن كانوا يجيدون الفلسفة حقا» منه وأهلموا العملي. وهذا أيضا لا يستقيم لأن الفلسفة المغلوطة والمفاهيم الخاطئة يكشفها العلم التجريبي. لذلك، تجد كل فريق يركز على جانبه ويجلد في الطرف الآخر دون محاولة الوصول إلى عوامل مشتركة. ولكن ما يرجح كفة العلم التجريبي اليوم مآثره بالإضافة إلى أنّ أهله لا يقدسونه ويعترفون بأنه يتطور ويصحح نفسه مع الزمن، كما حدث بين نيوتن وآينشتاين؛ الأول وضع اللبنة الأساسية، والثاني صححها. بينما طرف المعابد يصر على أن ما عنده صحيح بنسبة 100% وأن ما اعتقده أجدادهم في الكهوف المظلمة هو التصور الحقيقي للخالق عز وجل والكون والعلم. كما أنهم أضافوا إلى ذلك أن من لا يؤمن بما يؤمنون يكون مصيره النار والعذاب، وكأن الله رهن إشارتهم؟!

نجيب إن شاء الله في المتسلسلات القادمة على الأسئلة التي يطرحها دوكنز ومن نحا نحوه بصورة موضوعية. وعلينا أن نعرف اليوم أن العلماء التجريبيين النافذين يبعدون عن ومن مسمى الإلحاد ويتبنون فكرة التشكيك بدلا من النكران حيث يطرحون أسئلة أو يفندون مفاهيم أهل المعابد بصورة علمية دقيقة.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.