آخر تحديث: 18 / 6 / 2019م - 7:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأماني.. الحقائق

محمد أحمد التاروتي *

ينطلق البعض في اتخاذ مواقف محددة، تجاه القضايا الساخنة من مبررات ودواعي مختلفة، فتارة تكون استجابة وخضوعا للضغوط القوية من احد الاطراف النافذة، وتارة اخرى انطلاقا من اماني ووعود بتحقيق بعض المكاسب، في حال تبديل المواقف والانتقال للضفة الاخرى، فهناك العديد من المواقف الصادمة، يجري تسويقها دون قناعات راسخة، او إيمان كل جدواها، فهذه المواقف مرتبطة بمصالح مؤقتة فرضها الوقائع على الارض، انطلاقا من مبدأ ”الباب الذي يجي منه الريح سده واستريح“، مما يمثل ترجمة عملية لتغليب المصالح على المبادئ.

تحاول بعض الاطراف النافذة استخدام الاوراق الرابحة، لاجبار شخصيات محددة لإطلاق مواقف في صالحها، اذ تعمد لتمرير العديد من الرسائل المباشرة، وغير المباشرة للاطراف المستهدفة، تحمل في طياتها تهديدا، بضرورة اجراء تحولات جذرية في مواقفها السابقة، خصوصا في ظل امتلاكها مستندات ووثائق، قادرة على أضرار بمصالح الاطراف المستهدفة، الامر الذي يدفع الاخيرة للرضوخ للضغوط، واطلاق المواقف، التي تنسجم مع الرغبات المرسومة، حيث تستهدف الاطراف النافذة من وراء المواقف الجديد، الاستحواذ على الساحة الاجتماعية، والقضاء على الاطراف المنافسة، خصوصا وان الصراع القائم يفرض استخدام شتى الوسائل، لتحقيق الاغراض المرسومة.

بالاضافة لذلك، فان الوعود الكبيرة بتحقيق مكاسب عظمى، لقاء اعادة النظر في المواقف السابقة، تلعب دورا حيويا في احداث تغييرات جذرية في القناعات السابقة، خصوصا وان النفوذ الكبير المستقبلي يدفع بانتهاج طريقة مختلفة تماما عن المرحلة الماضية، وبالتالي فان لعبة الكراسي تفرض نفسها كمحرك اساسي، في توجيه المواقف تجاه القضايا الاجتماعية، لاسيما وان التمسك بالمواقف يستدعي تقديم بعض التنازلات، ويتطلب الكثير من الجهد في سبيل الانتصار في الصراع القائم، الامر الذي يفتقره البعض سواء في بداية المشوار او منتصفة واحيانا في نهاية الطريق.

اجراء مقارنة بين المكاسب والخسائر، يفتح الطريق لمواجهة الضغوط من الاطراف النافذة، وكذلك يوقف الأماني الكبيرة المرتبطة بالوعود المقدمة على طبق من ذهب، فالعملية بحاجة الى التروي والتريث قبل اتخاذ القرار، لاسيما وان اطلاق المواقف الجديد يترك تداعيات على الصعيد الشخصي والاجتماعي، بمعنى اخر، فان تبديل المواقف لا تقتصر تداعياته على الجانب الشخصي، فهذه المواقف بمثابة كرة الثلج سرعان ما تكبر مع التدحرج، مما يستدعي وضع المكاسب والخسائر في الميزان، لترجيح احدهما على الاخر.

التحليق عاليا في سماء الاحلام والأماني، سرعان ما يرتطم بصخرة الواقع، بحيث تتحول المواقف الى وبال وخسران كبير، نظرا لعدم القدرة على الامساك بالمكاسب على الارض، فضلا عن انحسار القاعدة الشعبية، الامر الذي ينعكس سلبيا على القدرة بالعودة للواقع السابق مجددا، وبالتالي فان الأماني كثيرا ما تصطدم بالحقائق على الارض، فالوعود المعسولة سرعان ما تتبخر مع اطلاق المواقف الجديدة، خصوصا وان الاطراف النافذة تستخدم البعض كورقة للقضاء على الاطراف المنافسة، مما يدفعها للاستغناء على اصحاب المواقف المتغيرة، باعتبارهم اوراق غير رابحة، فضلا عن احتراقها بشكل كامل، جراء ابتعاد القاعدة الشعبية بعد المواقف الجديدة.

التحرك وفق رؤية واضحة في التعاطي مع الضغوط من الاطراف القوية، وكذلك امتلاك الوعي الكامل للتعامل مع الوعود الكبيرة، عناصر حاسمة في الامساك بالعصا من الوسط، خصوصا وان كشف الاوراق بشكل كامل، امام الطرف المقابل لا يخدم مطلقا، بقدر ما يقود للسقوط السريع، على الصعيد الشخصي والاجتماعي.

كاتب صحفي