آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 12:47 م

الحسين عنوانا للمحبة والسلام

حسين زين الدين *

حين نستحضر ثورة الإمام الحسين فإننا نستحضر تلك القيم والمبادئ الإسلامية التي تحرك من أجلها الإمام الحسين لطلب الإصلاح والتغيير في أمة جده المصطفى ﷺ، وهو القائل: «إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله ﷺ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق».

ونحن في كل عام نعيش الذكرى ونحتفي بها لا للبكاء والحزن فقط، أو للاستغراق في الماضي، أو كما يعبر البعض عنها أنها عنصر لإثارة الحساسيات المذهبية، بل من أجل الاستلهام من نمير تلك النهضة روحيا وفكريا وسلوكيا انطلاقا من تحديد هوية تلك الحركة، وذلك التحرك الذي انطلق منه الإمام الحسين من ركيزة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إصلاح واقع كاد أن تنمحي معه كل قيم الإسلام ومبادئه مع توالي نخب فاسدة إلى مواقع القرار والسلطة وتعمدها طمس الروح الإسلامية.

وفي تحليل واقعة كربلاء نجد إشارات عديدة تعبر عن طبيعة وحدود ما وصل إليه المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت من انحطاط أخلاقي واجتماعي وديني تبعا لممارسات السلطات المتعاقبة المنافية لقيم الإنسان ومقاصد الإسلام، يقول الإمام الحسين : « ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برما».

وفي خطبته بمنطقة البيضة يقول: « أيها الناس، إن رسول الله ﷺ قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله ناكثا عهده، مخالفا لسنة رسول الله، ويعمل في عباد الله بالأثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كما كان حقّا على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيّر».

لم تكن حركة الإمام الحسين ونهضته حركة فئوية كما يحاول البعض تصويرها، ولم يكن تحركه من أجل قضية شخصية ينتقم بها لصراع تاريخي متجذّر بين بني هاشم وبني أمية من أجل منصب سياسي، بل كان تحركه تحركا من أجل الأمة ومصالحها وتأسيسا لمجتمع إنساني جديد تتجسد فيه القيم الإسلامية الأصيلة، وهو مايظهر جليّا من خلال ما شكّلته تلك الخطب مع ماتحمله من معان وقيم من إعلام فاضح ساهم في تعرية واقع الأمة المنحرف، واحتجاج صارخ تجاه سياسات الاستبداد والظلم.

إن قضية الإمام الحسين لم تكن يوما من الأيام قضية متعلقة بطائفة أو دين، بل هي قضية إنسانية جسدت أروع معاني الإنسان وقيمه. ومن يريد أن يجعل قضيته متعلقة بطائفة أو دين فهو واهم حدَّ الوهم. فالحسين للإنسانية، ثار من أجل كرامة الإنسان وحريته، ومن أجل إرساء العدل ومجابهة الظلم والجور.

وعلى هذا الأساس فإن قضية الحسين قضية إسلامية إنسانية حريّ بنا ونحن اليوم نعيش العصر بكل تحدياته وتجلياته أن نستحضر قيمها ومبادئها، والاستفادة من دروس واقعة كربلاء، من أجل أن نفعّل ضمير الأمة ووجدانها لمواجهة التحديات التي تعيشها، وتذليل العقبات التي تحول دون التفاعل الاجتماعي والإنساني، والانطلاق نحو العمل للدفاع عن قيمنا وحريتنا وكرامتنا، والاندفاع تجاه تعزيز السلام والسلم والوقوف من العنف موقف المنافي، فالحسين ومنذ بداية حركته انتهج أسلوب السلم والسلام، فكانت حركته تقف من العنف والعدوان موقف المضاد، وتربي على السلم والسلام.

إن على خطباء المنبر الحسيني والمثقفين مسؤولية كبرى في إيصال تلك المفاهيم والقيم بلغة تتناسب مع روح العصر الحديث وتحدياته، لا بلغة التعالي التي تحول المنبر الحسيني إلى واجهة لإبراز قوتهم الفلسفية والمعرفية والأصولية، عبر الاستغراق في مسائل التاريخ المألوفة، بل يجب التعمق في استجلاء العبر والدروس الهامة والمفصلية في تاريخ تلك النهضة.

أن الدعوة إلى التجديد في الخطاب المنبر الحسيني والخروج به من الحالة التقليدية المألوفة، بالإضافة إلى تطوير برامجه الموسمية ثقافيا ودينيا واجتماعيا، ليس انتقاصا من حقه أو تقليلا من دوره وفاعليته، وإنما رغبة في تجليّة مقاصده وأهدافه، يراعى فيها اختلاف الجمهور واهتماماته، ومافرضته متغيرات ومقتضيات التطورات الاجتماعية والفكرية والسياسية والدينية الحالية، فالمنبر الحسيني جاء ليتواصل مع الجمهور، ويرفع من مستوى وعيه بكل تجلياته.

لنجعل من نهضة الحسين منطلقا نحو تجديد الوعي الإنساني، ودعوة إلى إرساء المحبة والسلام ونبذ الكراهية والبغضاء، وليكن موسم عاشوراء عنوانا للمحبة والسلام وصانعا لعزتنا ووحدتنا..