آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 6:14 م

عن عالم الحيوان في 2014

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

في ذات اللحظة وفي ذات اليوم وتحديداً في الأول من يناير، وبينما كنت أقلب وأتقلب بين القنوات الفضائية التي تحتفل بأعياد السنة الميلادية الجديدة، لفت انتباهي حوار جرى على لسان شخصيتين في فيلم سينمائي أسباني، إحداهما امرأة استقرت في روحها معاني السلام، ورجل أعمال طموح يكدح ليل نهار لزيادة أمواله وثروته، وعندما اكتشف رجل الأعمال أن المرأة نباتية، أي أنها لا تأكل اللحم، سألها.. لماذا أنت نباتية؟ فأجابت: لأنني أشعر بأن الحيوانات لا تستحق الإيذاء فهي أكثر حكمة من البشر. وهنا رد رجل الأعمال: كيف؟

فقالت لأن الحيوانات تحافظ على محيطها ولا تسعى سعياً وعن قصد لتدمير بيئتها، فهي لا تسبح في الماء إن لم تكن سمكاً، كما أنها لا تطير إن لم تكن طيراً.

وهنا أبدى رجل الأعمال استغرابه من الإجابة وسألها: ولكن ما رأيك بأن الإنسان قد صنع الغواصات فتمكن من السباحة، كما صنع الطائرة فتمكن من الطيران، وهو ليس بطائر، أليس ذلك من الحكمة؟

فقالت: إن ذلك ناتج عن الذكاء وليس عن الحكمة.. وشتان بين أن تكون ذكياً وأن تكون حكيماً. فالذكاء يصنع أسلحة الدمار الشامل التي تقتل البشر وتفتك ببعضهم بعضا. إنني أتساءل: هل الحيوانات أكثر حكمة من البشر؟ كثيرة هي القصص التي نسمع عنها بأن الحيوانات تتمتع ببعض القيم الأخلاقية، التي تظهر فيها تعاطفاً تجاه حيوانات أخرى أو تجاه البشر، مثل تجربة رفضت خلالها قردة جائعة إيذاء قردة أخرى بالتيار الكهربائي حتى لو حصلت بموجب ذلك على الطعام، أو قصة الغوريلا التي قامت بحماية طفل في الـ3 من العمر سقط في قفصها، إضافة إلى الكثير من الصفات النبيلة، مثل الوفاء والإخلاص، والتعفف عند الشبع، الحنان والرعاية تجاه الأبناء.. ولن نعدد المزيد حتى لا يظن البعض أننا منحازون للحيوانات، وأيضاً لن نذكر الصفات السلبية للحيوانات كالافتراس والوحشية، ذلك لأنها حيوانات تتحرك بشكل غريزي محدود، ولا يُفترض بنا أن نتوقع منها غير ذلك.

أما الإنسان، الذي كرمه الخالق، وميزه بنعمة العقل، وبالرغم من امتلاكه التكنولوجيا والحواسيب وغزوه للفضاء، وبالرغم من ادعائه التحضر والتمدن، وأنه متفوق على سائر المخلوقات بالذكاء والأخلاق والقيم، إلا أنه في كثير من الأحيان يرتد إلى بهيمية مفرطة، وقد أظهر في سلوكه من الغباء والعدوانية والقسوة ما يفوق أشرس الحيوانات! وخاض صراعات شديدة ومريرة، فالمراقب لأحوال الدنيا في الداخل أو في الخارج وكيفية تعامل البشر مع نظرائهم من البشر الآخرين والنظرة الدونية والعنصرية والتعصب والكراهية من دون مبرر مقنع غير الهيمنة والتسلط والاستحواذ، يجد أنه ربما هناك وزن لمقولة تلك السيدة التي تتحدث عن الحكمة في عالم الحيوان. ولينظر كل منا إلى حجم الإنفاق الذي ينفقه العالم على التسليح والعسكرة في مقابل ما ينفقه العالم على التنمية وإسعاد البشر، لنعرف حينها أنه لن تتحقق لنا الكثير من الأماني والآمال في سلام دائم، أما إذا كان ذلك الأمر لن يتحقق فلنسعى، على الأقل، إلى الظفر بسلام داخلي، عسى أن تأتينا سنة جديدة باحترام أكثر لكرامة الإنسان، وسلام أكثر، وقلوب مليئة بالحب بدلاً من الكراهية.

والسؤال: هل يا ترى ستطفئ أنوار ومصابيح هذا العام وإلى الأبد نيران الحروب والكوارث في العالم؟ هل يا ترى ستُجفف مناديل هذه السنة الجديدة، أحزاننا ودموعنا، وتزرع الورد في أكفنا المشرعة للحياة؟ هل يا ترى يحق لنا أن نحلم؟ أغمض عيني في آخر دقيقة صمت وفرح في يناير 2014 لأقول لكم جميعاً: كل عام وأنتم بخير وأمن وسلام وأمنيات ومحبة.