آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 12:47 م

الدين... مدى الصَّلاحية والدَّيمومة!

حسين زين الدين * صحيفة ميدل ايست

لقد وضعت التغيرات والتحولات المشهودة، في عالمنا المعاصر، الدين على صفيح ساخن من التساؤلات المشّككة في مدى صلاحية دوره وديمومته، وقدرته على الحضور الفاعل والمؤثر في الحضارة الإنسانية المعاصرة الحافلة بالنتاج الفكري الذي يتبلور معظمه حول النهوض والتنمية والبناء.

على الرغم من كلّ محاولات المفكرين وجدواهم في سبيل إثبات فاعلية الإسلام وقدرته على حل المشاكل البشرية؛ من خلال تقديمه كمنظومة معرفية متكاملة حية، إلا أن كل تلك ما تزال رهينة العجز في إقناع الآخر المختلف بقدرة الإسلام، نتيجة بعدها عن الواقعية، وتقاطعها مع العقلانية.

إن منبع الشعور بالعجز هو نتيجة لماتركته الكثير من المفاهيم الخاطئة، على ذواتنا وتفكيرنا، وانعكاسها على حركتنا وتعاطينا مع المتغيرات والتحولات في مراحلها المختلفة من تاريخنا.

يظهر في ساحتنا الدينية أن هناك تيارين يتجاذبان الدين، تيار يصر على إعادة تشكيل عقلية الحاضر وفهمه للعالم بطريقة الماضي نفسها، بالتركيز على الخيال التاريخي والتصورات الموروثة التي أصبحت عبر التراكم التاريخي أحكاما وقيما ومعتقدات ترتب عليها التصديق الالتزام على نحو التعبد والامتثال والقبول والتلقي، واعتبار مخالفتها أمرا آثما وخارجا عن الدين، وتيار يحاول أن يلامس الدين بالمعرفة والوعي بما يتناسب وروح العصر مع التزامه الديني ومنطلقاته، ويدعو إلى تحرير الماضي من القيود والتواصل مع الحاضر عن طريق ثورة نقدية تضيف للماضي أبعادا جديدة في أفق الحاضر.

إن ديمومة الصراع بين هذين التيارين صراع لا يمكن إيجاد تسوية فيه؛ لأن طبيعة الصراع متعلق بحد ذاته بقيم ومبادئ متناقضة متباينة بشكل واسع، قيم تمجد الماضي وترفع تقاليده أصناما للعبادة، وترفض أي حركة تجدد وتغيير، وأخرى تدعو إلى التحديث والتجديد ومواكبة العصر بكل تجلياتها مع نقد الماضي ليكون منطلقا لفهم جديد ومنهج جديد مع حفاظه على مبادئ الدين ومنطلقاته.

تطرح إشكالية التقليد والتجديد بقوة في الكثير من الكتابات العصرية نتيجة لسرعة التحولات وتزاحم الإشكاليات في المجتمع الإسلامي المعاصر، فحركة المجتمعات في حالة متغيرة وبصورة متسارعة، وفهمنا لطبيعة تلك الحركة اليوم في إطارها الطبيعي تشكل منطق كل تحول حضاري جديد، ومنطلق كل حركة نهضوية جديدة لمجتمعنا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمجتمعنا الإسلامي أن يتواكب مع تلك المتغييرات والتحولات المتسارعة في عالمنا المعاصر، وينتشل بأصحابه نحو آفاق نهضوية جديدة؟

إن الوعي لطبيعة تلك التحولات والمتغييرات يتطلب منا إعادة تأهيل لمعارفنا الدينية وتحريك آفاق الفكر الديني والتحرر من قيود الماضي والتواصل مع حركة الحاضر لاستشراف المستقبل؛ لأن المعرفة الدينية بطبيعتها معرفة بشرية متحولة، كما يرها الدكتور عبد الكريم سروش أن الدين أمر ثابت، وأن الفهم - حتى في أبسط صوره - عرضة للتحول والتغيير، ويؤكد على أن التغيير والتطور سمة ثابتة للمعارف البشرية كلها بما فيها معارف الإنسان بدينه.

ويرى أن جميع المعارف البشرية بمافيها الدينية مرتبطة ببعضها، وأن حدوث أي تطور في إحداها يعني بالضرورة تطور في المعارف كلها بمافيها الدينية، لتكون النتيجة التي أرادها الدكتور سروش إن فهمنا وقراءتنا للدين سوف يتطور بحسب تطور العلوم البشرية الأخرى.

إننا إذا أردنا لأنفسنا أن تتقدم وتتطور وتسير نحو الإبداع والابتكار المعرفي والحضاري، ينبغي التحرر من تلك التصورات الخاطئة القاطنة في عقليتنا وثقافتنا وأخلاقياتنا وسلوكنا عن الدين، بالانفتاح السمح على الحضارات الإنسانية وعلومها، وأن نخلق لذواتنا صورة جديدة تهتم بالمنجز الإنساني الحضاري.

يقول الدكتور سروش: « إن العالم الجديد عالم التصورات والتصديقات الجديدة وعلى الفقهاء أن يتحركوا بعزم وجرأة وشجاعة على مستوى تحريك آفاق الفكر الديني، ليتمكنوا من إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل العملية في حركة الواقع والحياة».

وفي مكان آخر يقول: «إن الفقهاء لما لم يكونوا في صدد تغيير العالم والمجتمع، فإنهم لم يروا هذه التحولات والتغييرات الواقعة في العالم المعاصر، ولم يأخذوا بنظر الاعتبار في آرائهم وفتاواهم الفقهية، وكأنهم تصوروا أن جميع المجتمعات البشرية ماهي إلا صورة مكبرة عن المجتمع العربي في صدر الإسلام، لذلك ذهبوا إلى تطبيق تلك الأحكام الشرعية الواردة، في أجواء عصر النزول على المجتمعات المعاصرة... ».

خلاصة القول: إننا اليوم قد نشعر بحالة من الحيوية والنشاط إن نحن وجدنا أنفسنا متحررة من عقد التصورات الوهمية والخرافية وقداسة أصحابها، وأخذنا نبحث عن الإطمئنان النفسي في التفكر في فلسفة هذه الحياة وطبيعة المنجز الإنساني الأخلاقي. فمتى تحررت أفكارنا من القيود أدّ ذلك إلى تحرر المجتمع وتطوره.