آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 10:16 ص

القرآن بين التعطيل والتفعيل

مؤيد علي البراهيم

تمهيد:

منذُ أمدٍ بعيد كانت البشرية غارقة في وحل من الظُلمات تسير في خبط من طريقها على غير هدىً، تتعثر في المسار والمسرى لجهلها المطبق الذي حلَّ بها إثر عادات لم يكن لها أيّ مت بصلة من العقل ولا من الإنسانية الرفيعة.

تتقاذفهم رياح الهوى تجعل منهم ألعوبة في مدارات السنين، إلى أن شاءت السماء فأرسلت لهم رسولاً من أنفسهم، ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور يرفع عنهم جهلهم الذي أوضع من إنسانيتهم، ويحررهم من طوق العبودية لغير الله الذي هو مكمن ذُلٍ لهم.

فها هي بشارة السماء قد أتت على يدي نبي الرحمة محمد ﷺ للبشرية بأجمعها لِيُعيدَ تسميت الأسماء والعناوين ويستعِيدَ المعاني الحقيقية.


إن القرآن الكريم عامل فاعل في هداية البشرية بل هو العامل الرئيسي والأوحد في عملية وضع الناس على الجادة الصحيحة، وهذا لِما يكتنفه القرآن من كنوز مودعة فيه كفيلة بأن تكون بمثابة عامل إراءه وموصل للطريق، الذي ينبغي على الإنسان أن يسلكه إذا ما أراد السعادتين - الدنيوية والأخروية_ وكما قال تعالى: ﴿إن هذا القرءآن يهدي للتي هي أقوم

وهذا ما نتلمس آثاره العملية في الحقبة الزمنية السالفة حينما كانوا يعيشون عرب الجاهلية حالة من التيه، فأتى إليهم نبيهم بالكتاب الذي ما فتئ إلاّ أن قَلبَ أحوالهم رأساً على عقب، فستحال الذليل عزيزاً والعكس وفقاً للمعاير والسنن الربانية.

والقرآن الكريم معجزة الله الخالدة إلى قيام يوم الساعة ومحفوظ من الله رب العالمين قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

وهل يكون الحفظ فقط من التحريف الحرفي واللغوي؟

وهل إعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته فقط؟

هنا يأتي الرد: لا. بل تتجاوز معجزة القرآن الكريم اللغة بفصاحتها وبلاغتها إلى كونه معجزةً بكل ما تضمَّنه، وكما قال العلامة الطباطبائي - قدس -: ”فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حِكمتِه، وللعالم في عِلمِه، وللاجتماعي في اجتماعه، وللمقنِّنين في تقنينهم، وللسياسيين في سياستهم، وللحكام في حكومتهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً، كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان“ [1] 

وكتاب الله لم يكن محط ٌووقف على زمنٍ معين ويتوقف في زمنٍ أخر، بل أنه يمتد ويتجاوز حدود الزمان والمكان إلى أبعدها.

وهذا ما يثبته القرآن الكريم لنفسه، ونذكر بعض من تلك الشواهد المعلومة لدينا، إذ أنه هنالك حقائق في هذا الكتاب لم يوصل إلى عمق كنهها بعد.

ومن هذه الشواهد ما يلي [2] :

- قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون الانعام 125.

أثبت العلم الحديث أن الأوكسجين يقلُ كلما ارتفع الإنسان إلى السماء، ما يؤدي إلى ضيق التنفس والاختناق، فوصف جلَّ وعلا الضَّال بأنه يعيش حالة اختناق بسبب ضلاله كما يضيق التنفس عند الصعود إلى السماء، وهذا ما لم يكن معروفاً في زمن الدعوة إلى الإسلام.

- وقال تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً يونس - 5 -

الشمس مصدر الضوء، الذي ينتج عن الانفجارات الهائلة التي تحصل فيه، والقمر كالأرض كوكب لا ينبعث من داخله النور وإنما نرى القمر منيراً بسبب انعكاس ضوء الشمس على صفحة القمر، فمن أين لأحدٍ من الناس أن يعلم هذا السر الكوني في ذلك الزمن الغابر؟

- وقال تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها النازعات - 30 -

الأرض تدور حول نفسها، وتدور حول الشمس وتسير مسرعة وهي بيضاوية الشكل، هذا ما اكتشفه العلم الحديث، ومع ذلك نسير عليها وكأنها مسطحة، وهذا هو دحوا الأرض وبسطها بما يحيط بها من جاذبية وغير ذلك فسبحان من هيأها لنعيش عليها من دون أن نشعر بشكلها أو أن نتأثر بسرعة سيرها.

وهذا الذي ذكر ليس هو الكل ولكنه غيض من فيض يجسد لنا عظمة هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

ولقد بذل الأئمة الهداة أقصى ما لديهم من جهد ليُخَلقُوا شيعتهم بأخلاقهم ويقَصدُوا بِهم قَصدهِم وسلكوا لذلك كل سبيل ومن هذه السبل الروايات التي جاءتنا عنهم والتي تحث شيعتهم على الاهتمام بالقرآن الكريم:

- قال أمير المؤمنين - ع -: ”فا ستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال“ [3] 

”القرآن يعتبر وصفة شفاء للذين يريدون محاربة الجهل والكبر والغرور والحسد والنفاق، القرآن وصفة شفاء لمعالجة الضعف والذلة والخوف والاختلاف والفرقة وكتاب الله الأعظم وصفة شفاء للذين يئنون من مرض حب الدنيا والارتباط بالمادة والشهوة“ [4] 

- وقال أمير المؤمنين في مقطع آخر يضمه نهج علي، نقرأ وصفاً لكتاب الله يقول فيه ”وعليكم بكتاب الله فإنه الحبل المتين، والشفاء النافع، والري الناقع، والعصمة للمتمسك والنجاة للمتعلق، لا يعوج فيقام، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تخلقه كثرة الرد وولوج السمع، من قال به صدق ومن عمل به سبق“ [5] 

وبما أننا نُبتلى في يومياتنا ببلاءات الدنيا، وجاذبية الشيطان والانغماس في الملذات، فإننا بحاجة إلى من يغسل قلوبنا من الأدران التي علقت بها ومن هو القادر على ذلك؟ غير كتاب الله.

- القرآن الكريم هو الحل عندما تلتبس الأمور على الناس، وهو الحقيقة التي تبدد الجهل، والاستقامة التي تهدي إلى الطريق القويم، وهو المخرج من الفتن، قال رسول الله ﷺ: ”فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وقائل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصباح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة“ [6] 

وهذا القرآن هو المموِّل الدائم لعقيدتنا وفكرنا وروحيتنا وحياتنا وهو الموجه نحو الاستقامة والدال على الزيغ والانحراف لنتجنبه.

وإن استفادتنا الحقيقية من القرآن الكريم يتطلب منا رعاية أمور ثلاثة: [7] 

أولاً: عدم التجزئة بأخذِ بعض آيات القرآن وترك البعض الآخر، وذلك باختيار ما يتلاءم منها مع مصالحنا ورغباتنا وعدم الالتزام بالتوجيهات الإلهية كاملة في كل مناحي الحياة وفي هذا يقول تعالى أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشدِ العذاب وما الله بغافل عما تعملون» وهذا ما يؤدي إلى التشويش الحقيقي في الفكر والسلوك، بسبب اختلاط المناهج، وعدم الإعتماد على منهج واحد متكامل مبني على أسسٍ سليمة وواضحة ومترابطة.

وكما قال الإمام الخامنئي - حفظه الله -: ”لا يمكن فهم بعض القرآن مفصولاً عن الأجزاء الأخرى، يجب قراءة القرآن مرة بعد مرة وتكرار قراءته كل يوم، وبشكل متتابع من أجل أن يعرف الإنسان الثقافة القرآنية“ [8] 

ثانياً: اعتماد التفسير الصحيح الذي سلكه علماؤنا الأعلام في العودة إلى النبع، من النبي - ص - والأئمة ، عبر ما قدموهُ لنا من معطيات صحيحة لإدراك المطلوب منّا. أما الاعتماد فقط على اللغة العربية والاكتفاء بتفسير معاني الكلمات بعيداً عن أسباب النزول، والأحاديث الشريفة، والربط بين الآيات في العام والخاص والمطلق والمقيد، وكذا الإستنساب في التفسير والتحليل، فهو مهلكة حقيقية لأنه لا يعبر عما أراد الله تعالى إيصاله إلينا، فالتفسير لا يتم إلا بعتماد قواعد وضوابط الوصول إلى فهم النص الإلهي.

ثالثاً: عدم إعطاء السلوك العملي بعداً قرآنياً وإسلامياً إلا إذا كان منطبقاً عليه، وهذا ما يتطلب فهماً دقيقاً وواضحاً لأحكام القرآن، فلا يكفي أن يُقنع الإنسان نفسه بسلوك الطريق الصحيح باقترابه من المعاني والأجواء الإسلامية، بل لا بد من المطابقة الفعلية للأحكام بطريقة لا تقبل الشك أو التردد أو الالتباس. وأن لا يكون مثله كمن أصر على السير في طريق معتقداً أنها توصله إلى هدفه، ثم تبين له الابتعاد التام عن هذا الهدف، لأنه سار عكس الطريق، إذ لم يدقق فيها من البداية، ولم يراع انسجام السير مع صحة العلامات الدالة على المقصد، ما قد يؤدي في النهاية إلى مصداق الآية: ﴿قُل هل أنُنَبِئُكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً

ولقد تم الذكر آنفاً عن الآثار التي عملها القرآن الكريم في تغير أحوال البشرية السابقة، بل أنه أصبح بمثابة إكسير ذا تأثير جم حملهم من مقام لآخر.

وهنا يجدر بنا أن نقف قليلاً على أحوالنا اليوم، لنرى الآثار الوخيمة على البشرية جراء ابتعادها عن هذا الكتاب العظيم.

وما آلت إليه الأوضاع؟ لم يعد ذلك خافٍ على كل متتبع لأحول الأمة الإسلامية بشكل خاص وللبشرية بشكل عام.

ولا أعني بابتعادنا عن القرآن، هو الابتعاد الشكلي بل الذي أقصده هو الابتعاد عن محتواه ومضمونه إذ أن أحكامه عطلت وأصبحت دفينة ومهجورة، فأصبح استنطاق ذلك الكتاب من الصعب بما كان على شريحة ليست بالقليلة من الناس ومع الأسف أن هؤلاء الناس هم شريحة مما يطلق عليهم اسم المسلمين.

فصاروا يقفون على رسمه ويمعنون النظر في طريقة نطقه ليعصموا ألسنتهم من الزلل.

وغفلوا عن مضمونه حتى بات الزللُ واضحاً في أفكارهم ومعتقداتهم وسلوكهم.

هنا يتألم رسول الله - ص - ويذهب بشاكيةٍ للهِ هو مُبديها بقلب يقطر أساً على أحوالنا ويأتي بنداء المتوجع ليقول لربهِ ﴿وقال الرسول يا ربِ إن قومي اتخذوا هذا القرءان مهجوراً - الفرقان - 29

”يشكو الرسول بين يدي الله أنهم دفنوا القرآن بيد النسيان، القرآن الذي هو رمز الحياة، ووسيلة النجاة، القرآن الذي هو سبب الانتصار والحركة والترقي، القرآن الممتلئ ببرامج الحياة، هجروا هذا القرآن فمدّوا يد الاستجداء إلى الآخرين“ [9] 

فما أحوجنا اليوم إلى العودة إلى ذاك الربيع الذي يزخر بالعطاء الوافر وإلى ذاك النهر الري الذي نرتوي بعذبِ مائه وها هو الإمام الخامنئي - حفظه الله - يصدح بها في سماء القلوب: ”إن العالم الإسلامي اليوم متعطش للحقائق القرآنية وتعلم الحقائق القرآنية أرضية لتحقيق السلامة والأمن والعزة وتنظيم حياة المسلمين في ظل تعاليم القرآن الكريم“ [10] 

[1]  السيد الطباطبائي. تفسير الميزان. ج1. ص60

[2]  كتاب: القرآن منهج هداية. الشيخ نعيم قاسم. ص28. الطبعة الأولى 1432 هـ

[3]  نهج البلاغة الخطبة رقم 176.

[4]  كتاب: الكشكول الأخلاقي. آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي. ص32 الطبعة الأولى 1431 هـ

[5]  نهج البلاغة الخطبة رقم 158.

[6]  الشيخ الكليني. الكافي. ج2. ص606

[7]  القرآن منهج هداية. الشيخ نعيم قاسم.

[8]  كتاب: آراء القائد. طبعة أولى 1419 هـ .

[9]  الكشكول الأخلاقي. ص42.

[10]  لقاء الإمام الخامنئي بأساتذة القرآن وقراءه وحفاظه المشاركين في الدورة الثلاثين من مسابقات القرآن العالمية في طهران. 8\6 \2013