آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 4:51 م

”بوكو حرام“ وأسواق النخاسة

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

في 2008 كتب ”جان زيغلر“، الكاتب والناشط السويسري، في كتابه ”كره الغرب“: ”La Haine de L’Occident“ ”أن حربا تجري اليوم في دلتا النيجر، هي من أكثر الحروب دموية ومن أكثرها سرية أيضا“. لا مفر من الاعتراف بأن جماعة ”بوكو حرام“، ومغامراتها الإجرامية، تتصدر في راهن الأخبار الواردة من نيجيريا، ولمن لا يعرف جماعة ”بوكو حرام“ أقول: هي عصابات تعيث فسادا في نيجيريا، يزعم عناصرها أنهم إسلاميون وبهذه الصفة ادعوا لأنفسهم الحق بمنع الفتيات من الذهاب إلى المدرسة فاختطفوا مئتين وسبعين تلميذة، ثم بلّغوا وسائل الإعلام عن فعلتهم بواسطة بيان قرأه أحد أسيادهم، تبنى فيه الجريمة، مضيفا إلى أنه ينوي ضم اثنتين من طرائده إلى أزواجه، أما عن الأخريات فقال إنهن برسم البيع، أي أنه ”يُنكِحُهن“ مقابل مهور!

التساؤلات المطروحة: ما الأسباب التي جعلت مجرما نيجيريا، يختطف الفتيات من المدرسة، متذرعا أن ”دينه“ يأمره بأن يحرِم على النساء اكتساب العلم، وأنه يعاقب اللواتي عصين هذا الأمر، بأن يأخذهن سبايا ويبيع بعضهن في سوق النخاسة!. لماذا يغطي هذا الرجل النيجيري الشاذ فعلته الشنيعة بالدين؟! ثم هل توجد علاقة تربط هذه الجماعة بجماعات القاعدة في النيجر ومالي وشمال أفريقيا؟ خاصة أنها تمثل الفكر ذاته، إذ ليس في أخبارهم سوى القتل والذبح والتفجير.

في هذه الأثناء قفزت إلى ذهني قصة أسواق النخاسة التي حصلت قبل أعوام عندما أقيم مزاد علني في أحد الفنادق لرجل يبيع ابنه ليصبح انتحاريًا في يد من يدفع الثمن. وقف الأب واسمه ”أبو صالح“ إلى جوار ابنه الشاب، الذي يبدو أنه في بداية العشرينات، وبدأ المزاد بمبلغ «200» ألف ريال سعودي كبداية للمزايدة، واستمرت المزايدة ببطء بواقع «50» ألف ريال أو «100» ألف ريال، في كل مرة يرفضها مدير المزاد على أنها لا تساوي مقدار تضحية هذا الأب بابنه، وتستمر المزايدات إلى أن تصل إلى المليون ريال، وهنا يسمع تصفيق يدوي في القاعة وسط صيحات الجمهور: الله أكبر. ولكن المزاد يستمر إلى أن يعرض أحدهم مبلغ مليون ونصف ثمنًا لحياة الشاب، وهنا يزداد الهتاف والصراخ ويقول مدير المزاد: مليون ونص.. هل يوجد من يزايد؟ مبروك عليك.. فزت بالمزاد! أما ”أبو صالح“ فيحمله الجمهور على الأكتاف، كالبطل الذي قدم ابنه ليموت في عملية انتحارية في مكان ما في ”سورية“.

أظن بأن المشكلة المفصلية والمشتركة هي في ثقافة الموت التي انتشرت في فكرنا العربي والإسلامي انتشار النار في الهشيم، هذه الثقافة تكره الحياة، وتمجد الموت، وتقدمه على أنه الحل لكل ما يعانيه المجتمع من ويلات. وهي في واقعها ثقافة لا تقيم وزناً لحياة الإنسان تسترخص دمه وتضحي به في مشروعات وهمية، هذه الثقافة هي التي أنتجت عقلية ترى في خطف بنات المدارس في نيجيريا وبيعهن في السوق كسبايا أمراً شرعياً جائزاً، كما ادعى زعيمها ”بوكو حرام“، ولعل كثيرين يتذكرون رسالة زوجة زعيم تنظيم القاعدة ”الظواهري“، التي وجهتها إلى نساء العالم الإسلامي حينما قالت: ”وصيتي لكن أخواتي أن تربين أولادكن على حب الجهاد والشهادة، وتغرسن فيهن حب الدين وحب الموت في سبيل الله“، والخاتمة تعبر أصدق التعبير عن ثقافة الموت التي تطالب بها زوجة الظواهري كل أم أن تبثها في أولادها، وهي ليس مجرد غرس الاستعداد للتضحية حتى الموت، ولكن غرس حب الموت في عقل الشباب، ويالها من نظرة سوداء قاتمة تعبر عن الكراهية للحياة يتم غرسها في أفكار الجيل الصاعد.