آخر تحديث: 7 / 5 / 2021م - 6:33 م

التعددية المذهبية في الأحساء

مهدي الرمضان
اقرأ أيضاً

هل لا يزال بمجتمع الأحساء تعددية مذهبية فاعلة؟

مع بداية الطفرة الاقتصادية الأولى في المملكة خلال السبعينيات من القرن الماضي وإرتفاع مستوى دخل الفرد وتنامي ظاهرة المخططات السكنية وبيع اراضيها للافراد، فتح باب الإقراض الحكومي لبناء مساكن فتأسست على أثرها احياء وضواحي جديدة وإتسع النطاق الحضري للمدن في المملكة.

جلب هذا التحول والفورة في الإعمار السكني والتوسع العمراني تغيرات هيكلية جذرية في الأحساء وإعاد رسم خريطة العلاقات الإجتماعية فإقتلع من الجذور نظام إختلاط المجاورة لأتباع المذاهب في الاحياء والحارات القديمة الممتد لقرون والذي كان يتسم بثبات معادلة ديموغرافية سكان الحارات من الاسر والعائلات ذات الخلفيات المذهبية المتعددة.

كانت تلك الحارات وبنظامها التخطيطي والسكني القديم تفرض نمط من الحياة المختلطة والحميمية في العلاقات بين مختلف اتباع المذاهب الخمسة. فتجد في ذات الحارة الشيعي والسني يعيشون في بيوت متلاصقة لا يفصلها إلا جدار واحد وتجد ابناء السنه والشيعة يتربون معا ويشتركون في اللعب في البراحات والازقة ويختلطون إجتماعيا في كل مناسبات الفرح والترح في الحارة. بلغت الحميمية في العلاقة حداً ان ترضع مرأة شيعية طفل سني وبالعكس. بوجود الحسينيات في تلك الحارات كان من الطبيعي ان يحضر السنة مجالس الوعض والخطابة أيام عاشوراء ويتعرفوا على تفاصيل ما يدور فيها. يتزاور الكبار ويعملون سويا في المزارع وغيرها من الحرف والمهن ويعيش الصغار معاً في إختلاط تام فكان مستوى الشفافية والمعرفة البينية عالي فلا تكاد تخفى خافية على المختلطين من سكان الحارات القديمة.

تزامنت الطفرة وحياة البحبوحة الاقتصادية في إحداث استقطاب وفرز إجتماعي مصاحب كان على اثرها أن تشكلت احياء جديدة تتسم بإحادية المذهب ولا تضم بيوتها إلا سكان من طيف مذهبي واحد وربما في بعض الحالات بلغ الفرز أن لا يتجاور في السكن إلا افراد من عائلة واحدة ومن اتباع مذهب واحد.

هذا التحول في النمط الإجتماعي للحارات والاحياء الجديدة أحدث شبه إنفصام في العلاقات الاسرية التي كانت سائدة واحدث ما يشبه قطيعة في التواصل والإختلاط بين أبناء الطرفين. فلم يعد لأبناء السنة اليافعين والشباب في مقتبل العمر ونظرائهم من الشيعة فرصة لبناء علاقات صداقة مبكرة يخلقها اللعب والإختلاط اليومي المتواصل وصنع ذكريات طفولة مشتركة ترسخ علاقات الكبر لاحقاً كما كان جيل آبائهم بل انهم حرموا حتى من فرص اللقاءات وجها لوجه في المدارس الابتدائية والثانوية فقد اصبحت حتى المدارس في الاحياء الجديدة لا يرتادها تقريباً إلا طلبة ينتمون لمذهب واحد.

هذه الحواجز والقطيعة الشبه تامة بين الابناء منذ الثمانينات خلق جيل كامل لا تربطه اواصر وعلاقات صداقة ومعرفة بينية حقيقية. ما نراه الآن يحدث بين اولادنا ان اول لقاءات بينهم تتم في المرحلة الجامعية. وحتى تلك اللقاءات في الجامعات بعد ان تقولبت ادمغتهم بثقافات أهاليهم تكون عادة عابرة غير عميقة تمليها فقط الزمالة في قاعات المحاضرات والمختبرات فهي لا تؤسس لعلاقات مستديمة متينة إلا نادراً.

حدثت فجوة إجتماعية واضحة ومؤثرة بين افراد جيل من شبابنا الابناء وستزداد الفجوة للاسف عمقاً وإتساعاً بمرور الزمن وستكون تأثيراتها الإجتماعية أخطر بعد أن نغادر نحن جيل الآباء الذين عشنا مختلطين وكونا صداقات راسخة مع إخواننا السنة هذه الحياة وتتم القطيعة الإجتماعية للعيش المشترك ويعيش أبنائنا وابناهم في معزل تام وفي جزر متباعدة لا يتعرفون ولا يهتمون بمعرفة من يختلف مذهبيا معهم من الذين يسكنون في حارات بعيدة عن حارتهم. وقد إنحدرت الحالة للأسوء مع ما نراه ونلمسه من تنامي الشحن الطائفي وزرع بذور الكراهية والعنصرية من منابر تزامنت وإمتدت تقريبا منذ بداية الطفرة وظهور ما يسمى بالصحوة فنشأ جيل مأزوم مذهبيا تسيّر معظم أفرادة الكراهية للآخر. حشيت ادمغة الشباب بالصور الذهنية المشوهة عن اقرانهم الشاب في الطرف المختلف معهم مذهبياً دون ان تكون هنالك قوى خيّرة وفاعلة مضادة تزرع بذور التسامح وتؤسس لفهم مشترك وتتدارك مخاطر هذا التوجه الطائفي لتخفف من آثاره السلبيه.

بدأ يتآكل مفهوم فاعلية التعددية المذهبية في الاحساء كما كنا نعرفه ونلمسه منذ الطفرة ولا يمكن إعتبار الاحساء حاليا مجتمع ذي فاعلية تعددية مذهبية حقيقية للاسف. ما هو موجود حالياً هو مجتمع يضم اتباع خمسة مذاهب يلتقون في بعض المناسبات وفي الشوارع والمجمعات التجارية الكبيرة وفي دواوين العمل ولكنهم الآن قليلا ما يختلطون بحميمية او يتبادلون الزيارات الاسرية بإنتظام مع بعضهم او يتشاركون إجتماعاً في كل مناحي الحياة اليومية كما كانو يفعلون قبل اربعة عقود.

نحتاج ان نقر بهذه الحقيقة المؤلمة وبهذا التحول الهيكلي السلبي في مجتمعنا الاحسائي إن اردنا ان نعيد قوة اللحمة وذلك من خلال إقرار وتطبيق خطوات مدروسة تعيد تأسيس علاقات إجتماعية فاعلة بين كل المكونات المذهبية كي نستحق لقب «مجتمع التعددية المذهبية الفاعلة».

أمل ان نتمكن من ذلك.