آخر تحديث: 7 / 5 / 2021م - 7:19 م

جسر الدالوة

علي أحمد الرضي
اقرأ أيضاً

«أ»

الأحساء كواحة هي عنواناً شامخاً للمحبة والتسامح والتآلف الجميل حيث تكسو ألوان الطيف المتعددة جمالها جمالاً قلّ نظيره، فلا يمكن أن تمحُ الدماء ولا الدمار الأثر الجميل الذي تعمّق في القلوب التي في الصدور وإن فاضت الروح يبقى الجميل جميلا «قالت مولاتنا زينب سلام الله عليها: ما رأيت إلا جميلاً». الأحساء وإن أحاطتها الصحاري المنبسطة فلا يمكن تجاهل قيمتها العالمية وثرائها الضخم من النفط والزراعة والتراث. سيردد الأحفاد يوماً ما عندما يقرأون موارد الواحة وحينها سيستفسرون ألم تكن الواحة تملك كل مقوّمات أرقى المناطق التجارية والسياحية؟

«ل»

لا أحد يتصوّر أن يقع هذا الإجرام البشع الظالم ليحصد أناساً مسالمين رزيّتهم فقط أنهم من الموالين لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم فرفعوا راية الحسين في ذكرى استشهاده كأن لم يقرأ أو يسمع هؤلاء الظلمة مكانة أهل البيت في القرآن والسنة المحمدية الشريفة ولم يسمعوا من قبل حرمة النفس المؤمنة المطمئنّة. هذا النوع من الإجرام البشع أستهدف الإمام الحسين وأهل بيت النبوة كما تجرّأ على أمن الوطن لزعزعة الاستقرار ومحاولة تغيير لغة المحبة السائدة إلى المواجهة المسلّحة. هل يمكننا افتراض أن هؤلاء وأمثالهم ممنوعٌ عنهم قراءة كتب الحديث وعليهم فقط تلقي الفكر والمعلومة عبر المحاضرات والندوات؟

«د»

دوران الحدث الإجرامي إعلامياً بسرعة في الأحساء وشتّى مناطق المملكة والعالم كان من أحد الروافد التي ساندت على سرعة ردة الفعل الأمنية والقبض على المجرمين في وقت قياسي. إن شمولية الغضب والاستهجان من كل الأطياف دلالة واضحة على أن الإنسانية تعلو على كل شيء فلا مجال لأي تصنيف أو فرز آخر أن يتغلّب على الإنسان بذاته الفطرية متى ما عاد إليها وانسلخ من تعصّبه ووقبليّته. متى بحثنا عما يجمعنا سنراه كثيراً ومتى ما كان تركيزنا على ما يفرّقنا سننسخ الكثير كذلك. فالأولى أن نميل ونعمل إلى ما يوحّد الأمة لا ما يفرّقها كما يريد أعداء الدين. الإنسان مكرّم كما قال الله سبحانه وتعالى ومن أصله كريم بفطرته يجسّد كل معاني الإنسانية وصورها. فلا غرابه فيما تم من تفاعل إنساني في كل أرجاء الوطن وعلى كل المنابر.

«أ»

ألم يشارك كل أبناء الوطن في استنكار حادثة سفك الدماء البريئة في الدالوة؟ ألم يأتِ إلى موقع العزاء الوفود المناطقية رجالاً ونساءً؟ ألم يكن تشييع الشهداء استثنائيًا بكل جوانبه وبما تحمله الكلمة من معنى؟ ألم يشارك خيرة كتاب الوطن ومن كل الأطياف في المواساة والترحّم على الشهداء ونبذ الطائفية والتعصّب بجميع أشكاله؟ وألم يكرروا الحاجة الماسة بسنّ قوانين تجريم الطائفية وإقرار التعددية؟ ألم تكن هذه المشاركة الشعبية الوطنية الواسعة بلسماً بارداً خفّف حرارة المصاب الجلل على ذوي الشهداء والمصابين بل على كل الشركاء في الوطن؟ هل ممكن بعد هذا كله أن نعود إلى نقطة الصفر ونهجو ونقذف بعضنا بعضا أو نقرأ أو نسمع الخطاب الطائفي في أي مكان في الوطن؟

«ل»

لم يتأخر الشجب والاستنكار فخلال لحظات تحرك الجهاز الأمني لملاحقة المجرمين العابثين والقبض عليهم كما صدرت البيانات من كبار العائلة المالكة والوزراء وهيئة كبار العلماء ومجلس الإفتاء والمؤسسات الرسمية والمشايخ والوجهاء مما رفع مستوى الإدانة إلى الإجماع بل إلى مستوى القرار. لا جدال أن الأمن والاستقرار نعمة وتدوم بأسبابها من شكر الله المنعم إلى نشر وتعزيز ثقافة الاحترام والمحبة والتعددية وتجريم الإساءة والطائفية.

«و»

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ: سورة البقرة ﴿آية 45

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ: سورة البقرة ﴿آية 154

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ: سورة آل عمران ﴿آية 54

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ: سورة آل عمران ﴿آية 158

﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا: سورة النساء ﴿آية 93

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ: سورة الأنعام ﴿آية 116

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ: سورة إبراهيم ﴿آية 42

«ة»

توصيات كثيرة طرحت بعد الحادث الإجرامي الأليم لم تخفَ على كل متابع وهي موثّقة في غالبية المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وهي مستوحاة من الشجب والاستهجان والازدراء العام، وتهدف في المجمل إلى إصدار قانون تجريم الطائفية لمنع تكرار هكذا جريمة بحق أي طائفة وبحق الوطن. أحد الوجهاء من المنطقة الغربية طرح فكرة ترشيح عضو من كل مدرسة فقهية في مجلس الإفتاء وهي فكرة جديرة بالاحترام نأمل أن تتحقق يوماً ما. كما نأمل أن تنهض بعض المؤسسات الفقهية العربية بالعمل على إعداد وإصدار ”كنز الصحاح“ يُجمع فيه فقط الأحاديث المتفق على صحتها في كل المدارس الفقهية الإسلامية ليكون المرجع العام المشترك وأتوقع هكذا عمل سيقنّن مجال الاختلاف الفقهي وسيكون نقطة تحوّل إلى الوحدة الإسلامية.

علينا جميعاً أن نثمّن التكاتف الوطني ليكون عاشوراء الدالوة هو الجسر الذي ينقلنا إلى الوحدة والمحبة، فمن غير المنطقي التملّص من أخلاقيات الإدانة القوية والعودة مرة أخرى إلى الشحن الطائفي.