آخر تحديث: 7 / 5 / 2021م - 6:33 م

مشاعر وطنية دافئة بعد مأساة الدالوة

علي عيسى الوباري *
اقرأ أيضاً

الوطن بستان يشبع من الجوع ومأوى يؤمن من الخوف، الوطن سلامة وراحة لكل الافراد والمجتمعات وهو الاطار القانوني والنظامي للمواطنينبكل توجهاتهم.

الشعور الوطني نابع من تعليم ديني وثقافة تاريخية تراكمت وكونت سلوكا شخصيا متأصلا بدون تصنع، الفهم والوعي اساسان من أجل استيعاب الحياة المشتركة التي يتساوى فيها الكل في الحقوق والواجبات.

يشهد التاريخ بأن التعايش السلمي والوطني في المنطقة الشرقية مثال يحتذي به وخصوصا في واحة الاحساء التي قدمت انموذجا رائعا في العيش الطويل الذي تسوده الالفة والمحبة.

العقل والمعرفة عنصرانمهمان في الوعي والتشخيص الموضوعي في الشئون الدينية والثقافية والاجتماعية، فكلما زادت المعرفة بأمر استطاع العقل ان يحكم عليه ويميز بين ما هو نافع وضار، المعرفة هي المفتاح الحقيقي لتوطيد العلاقة بين المجتمعاتبكل أمور الحياة ولا سيما المعرفة الانسانية والتجربة والممارسة السلوكية، أي التعارف بين الانسان وأخيه الآخر من أجل التكامل والتعاون في البناء الانساني، تزداد الحاجة للتعارف والتضامن الاجتماعي اذا كانتالجماعاتتعيش في وطن واحد وهو احد الأهداف السماوية التي من اجلها خلق الله سبحانه وتعالى الانسان والشعوب «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».

الجهلاحد العوامل المسببة للاختلافات والمشاكل خصوصا اذا كانت هناك رواسب تاريخية وسياسية ومفاهيم خاطئة موروثةتراكمت في ثقافة الافراد والجماعات بحيث اصبحت جزءا من مورثوهم الشخصي وشكل حاجزا في فهم الآخرين.

احد معوقات المعرفة وضع حواجز وهمية وأحكام مسبقة نابعة من موروث مغلوط اضافة إلى التعتيمو عدم البحث في عصر الفضاء المفتوح واباحة المعلومات، كذلك العزف على وتر الخصوصية أو ثقافة المجتمع الخاصة. المعرفة والتجربة عاملان مهمان لإزالة الخوف من الآخر بل تؤدي إلى توطيد العلاقة به.

المعرفة بثقافة الغيرلا تعني التنازل عن المعتقدات وتذويب المبادئ والقيم الخاصة لأي فئة، لكن هي قاعدة انطلاق نحو التفاهمو الوفاق والتقارب بين شرائح المجتمع خصوصا إذا كانوايعيشون في كنف واحد وبيئة مشتركة تجمعهم روابط دينية وقيم وطنية.

كذلك احد حواجز ومنع التفاهم والتقارب هي الذاكرة التاريخية الجماعية التي شًوهت من خلال نصوص ضعيفة أو موضوعة، وتعدد المرجعيات الثقافية الغير الموضوعية ولا يهمها التفاهم الديني والوفاق الوطني.

ليس من المعقول ان تعيش مجتمعات بمختلف مذاهبها ومعتقداتها في حدود وطنية لا يعرفون ثقافة بعضهم البعضبما فيه الكافية حتى تُزال الأوهام، وكأن عوامل الاختلاف اكثر من القواسم المشتركة.

ما دعانا لكتابة هذه المقدمة هو ما تبين خلال وبعد مأساةالدالوة «استشهد فيها 8 مواطنين» خلال التشييع ومراسيم العزاء من شعارات وطنية ولحمة اجتماعية بين المواطنين وعبر عنها الكتاب والصحفيين في الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي التي عبرت عن احاسيس وطنية مسئولة عندما تقاربوا من بعض بتجربة.

هذا يدل على ان الاطلاع والمعرفة والتجربة تغير الفهم الخاطئ وتعززالعلاقة عن قرب وتزيد اواصر المحبة بين المواطنين من مختلف مناطق الوطن، رغم ان المشاعر الوطنية طبيعية لأنها نابعة منمنهجعقائديالذييلزم المسلم بالانتماء الوطني والالتزام بواجب العيش المشترك مع كل الطوائف واعتبار تراب الوطن جزء من تكوين شخصيته، هذا ما اثبتته التجارب.

الحرب الطائفية التي يتم اشعال نارها ونشر ثقافة الكراهية تقوم بها فئة مارقة قليلةلا يهمها أمن الدولة والحفاظ عل التماسك الوطني، ألا ان انعكاسها سلبي على الأمن الوطني والاخوة الاجتماعية إذا ما تتحمل شرائح المجتمع الواعية المسئولية الدينية والوطنية وتقوم بأدوار ايجابية تعالج ظاهرة التطرف وتغيير النظرة السلبية.

بعد العملية الاجرامية التي حدثت في حسينية المصطفى بالدالوةهي رسالة قوية لنا جميعا بأن نتحمل مسئولية الكلمة والموقف، لا بد من وجودخطط فكرية وسياسية وأمنية واجتماعية لاقتلاع هذا التطرف الديني الذي اقتنع به البعض من خلال تراكم ادبيات الخطاب الديني حتى توهم انه على صواب والاخرين مهما كان معتقدهم على خطأ واصبح على قناعة ان من يختلف معه يستحق الموت وهذا مؤشر خطير على أمن الوطن.

الغيارى من الكتاب والمثقفين والمهتمين حلله بموضوعية فمنهم من ارجع اسبابه الى ما احتوته المناهج الدراسية صراحة والكتب المنتشرة في المكتبات وبعض وسائل الاعلام المتطرفة والخطاب الديني المحرض.

لكن هناك عوامل مهمة لا تقل اهمية ومنها سطحية التفكير وسرعة تقبل افكار هدامة ومتطرفة، عدم الوعي بالاختلاف الديني والثقافي وضعف الحس الوطني والتكفير المجانيلكل من يختلف معه.

الثقافة السماعية التي تبهر المستمع بالمرسل «الخطيب» وليس بأفكارهبحيث يتقبل المتلقي افكارا لا يضعها في ميزان العقل والتحليل المنطقي وهذا خلل بثقافة وتفكير الافراد الذين لا يعتمدون على الاستنباط العقلي والبحث العلمي في استقبال المعلومات.

الامر الاخر هو عقلية التبرير للأخطاء التي سيطرت على الثقافة العربية والاسلامية ونسيان التجارب مما تتكرر من الأخطاء بدون الاستفادة من الماضي.

ان محاكمة السلوك بدون الغوص في الاسباب الفكرية ورفع شعار الأمن الفكري لن تجدي نفعا، الكل ينشد الامن والامان والسلام واحترام كل من يختلف معه عقائديا مهما كان توجههو تعتبر الاخوة الوطنية مطلبا اساسيا للعيش المشترك.

ما حدث من تفاعل رسمي وشعبي بعد الجريمة النكراء بالدالوة بعثت على الطمأنينة الذي يستوجب علينا الاستمرار بتعزيز معاني التسامح والاندماج الوطني بين الافراد والجماعات.

يتحقق هذا من خلال انظمة وقوانين ومؤسسات الدولة فهي الاقدر على رسم الخطط الوطنية لتحقيق الأمن الوطني والسلم الاجتماعيبين المكونات الوطنية.

‏مدرب بالكلية التقنية بالأحساء،
رئيس جمعية المنصورة للخدمات الاجتماعية والتنموية سابقا.