آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 10:16 ص

نهضة ثقافية أم استنساخات غربية

مؤيد علي البراهيم

أصلٌ ذاتي في جوف هذا الكون أنه صائرٌ إلى حركية تكاملية دؤوبة من الذَّرةِ إلى المجرة وإن كانت هذه الصيرورة مسيّرة ومُجْبَرة على الحركية في هذا السياق والنسق - أي حركة لا إرادية - والحال مع الإنسان ذو النزعة الديناميكية متفقاً من وجهٍ ومختلفاً مِنْ آخر، ولعله يلتقي مع الكونِ في أصل الحركيةِ والتَقْدم ولكنه يفترق عنه في كون الأول غير مختاراً بينما الثاني سائراً من وحي الهَدْيِّ والإرادة النابعة من الأعماق والذات.

وهذا ما يجعل المساحة والدائرة أوسع للإنسان أكثر من بقيت الموجودات الأخرى، وحركية الإنسان المنطلقة من عمق تكوينه الذاتي تحتمُ عليه الانطلاق نحو الاستكشاف والتبصر والتفكر في - الأنْفُسِ، والآفاقِ - لكي يلبي مُتَطَلَبات لِنَزعات فطرية.

وكُلاً يخطوا خَطوهُ في تلك الوِفادةُ على العوالم الأرحب والأوسع، ويبذلَ قُصارى جُهدهِ في السيّرِ والمسير ولكن تبقى السِيّرة البارزة والواضحة المعالم هي تلك المُبتنيةُ على أسس راسخة وثابتة غير آيلةٍ لِلاهتزاز والانهيار.

وأنىّ يتأتى لنا ذلك إلى من خِلال العقل الغير مشوب والمُستنير بإضاءات الوحي، لأنه السبيل الأنجع في تفادي زلات الطريق.

وكذا ما يُلحظُ مُنْذُ بَدء الخليقةِ إلى يومنا، وهذا أمرٌ مطلوبٌ في ذاته لذا بتنا نشهد نقلة نوعية حضارية وتقدم في جميع مناحي الحياة.

إلاّ أن محورية الحديثِ ستلقى على الصعيد الفكري والثقافي المحلي، وجاء ذلك من خلال القراءة السريعة للوضع الراهن. فآثار التحرك باتت واضحة للعيان وأصبحت محط النظر والتوقف في كثير من معطياتها ومقدماتها.

أَرانِي أُبجلُ حالةَ الحماسة التي تستوطن ذات الفرد المنطلقة نحو المعرفة والكمال وحب الاستطلاع وهذا مدعاةٌ للتفاؤل بجيلٍ واعٍ متبصر يتشاطر قضاياه الاجتماعية مع باقي فئات المجتمع مما يحقق مبدأ التكافل المشروع والمطلوب وهذا مؤشر على حالةً اجتماعية صحية.

ولكن محط الكلام في الانطلاقات المُسبْقَةُ أو المُقدمات الغير صحيحة وما ينتج عنها من أضراراً وخيمة جداً ولعلي أُعزي سبب الانطلاق في ذلك هي حالة التكلسات والترسبات النفسية التي حطت بِظلالها الثقيلة وجثمت على صدر الرؤى وأخرجت لنا قراءات مبتسرة جراء الخلط الأولي.

حينما يبصر الفرد المسلم التجارب التي مرست في ظروف معية ولواقعٍ ملائم أدت إلى استحالت مجتمع ما، من حالٍ إلى أفضلِ حال لا سيما إذا كانت تلك المجتمعات تعمل بطريقةٍ إعلامية منظمة في الترويج لثقافتها وعقيدتها.

هنا تشرئبُ الأعناق وتميل الأهواء والأنفس وتتضخم الأمنيات في أن نصبح على درجة عالية مثلما غدت تلك المجتمعات وتغيب عنا كثير من المفاصل الجوهرية التي لا تدرك إلاّ بالتعقل.

هنا تحدث عملية التموج التي ترأسها موجة المشاعر الجارفة، ونخرج عن بوتقة محيطنا المتأزم لنجلب الحلول من الخارج ونعمل على اسقاطات التجارب، أو إن صح التعبير نأتي بحركاتٍ إصلاحية وليدة ظروف زمكانية خاصة، ونعمل على تطويعها لكي نطبقها على واقعنا «المفتقر للقابلية» في تلقي ذلك وإن كانت توجد نقاط اشتراك في بعض الجزئيات بين المجتمعات، إلاّ أن ذلك غير مسوغ بأن تطبق تلك الحركات الإصلاحية.

ولعله أجلى مثالاً لذلك هو حينما نبصر ما حدث في العصور الوسطى حينما كانت الهيمنة الكنسية في أوجها ولاقت ردت الفعل العنيفة مما أدى إلى التصادمات بين الكاثوليك والبروتستانت.

حينما يأتي بعض المستنسخين ويعمدون جاهدين على استنساخ تلك الوقائع - مثلاً - بكل معطياتها والعمل على اسقاطها على الواقع الإسلامي هنا يكون محط النظر!! كما أن عدم التميز بين النظام الإسلامي القائم بذاته وبين المجتمع المسلم يؤدي إلى إقصاء ورفض لذلك النظام الذي لم يلقى ويعطى مساحته الواقعية، وبمعنى أخر يجب أن نميز بين المجتمع الديني والمجتمع المتدين لكي لا نأخذ الأول بجريرة الثاني!