آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 1:07 م

ظاهرة القطيعة بين الأرحام

إذا تتبعت بعض الأسر في مجتمعنا لوجدت أن قطيعة الرحم متفشية بين كثير من الأسر وتكاد أن تكون ظاهرة اجتماعية. وهذه القطيعة للأسف متفشية بين أرحام الدرجة الأولى في العلاقات النسبية بشكل كبير. فكيف الحال بين الأرحام الأباعد؟ أقصد أرحام الدرجة الثانية والدرجة الثالثة، إلى آخره، سوف تجد أن القطيعة فيما بين هذه الدرجات أفظع وأشد.

حث الرسول الأكرم ﷺ على صلة الأرحام في خطبة آخر جمعة من شهر شعبان لاستقبال شهر رمضان المبارك، كما أوردها السيد ابن طاووس في الإقبال. تلك الخطبة التي يذكر فيها أرفع المعاني الإنسانية النبيلة بأجمل الألفاظ وأسمى العبارات وفي أحسن أسلوب. حيث قال من جملة ما قال: «صِلوا أرحامكم».

فصلة الرحم مطلب إسلامي سامٍ حثت عليه السماء. وفي المقابل حذرت من مغبة قطيعة الرحم وآثارها السلبية على القلب والروح.

فقد قال رسول الله ﷺ في خطبة له: «ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة، العفو عمّن ظلمك وتصل من قطعك والإحسان إلى من أساء إليك وإعطاء من حرمك».

وعن الإمام الصادق أنّه قال لعبد بن جندب: «يا ابن جندب صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وسلّم على من سبّك، وأنصف من خاصمك، واعف عمّن ظلمك، كما إنّك تحبّ أن يُعفى عنك».

للأسف، المفهوم المغلوط لدى كثير من الناس في المجتمع هو أن الصلة لمن يصلنا، والزيارة لمن يزورنا، والعزاء لمن يعزينا في فقيدنا، والواجب لمن يوجبنا في أفراحنا، وهكذا، مع أن الروايات أكدت بشكل قطعي على صلة من قطعنا. ففي ذلك الثواب العظيم والخير الجسيم. فالإمام الصادق لم يقل صل من وصلك وإنما قال: صل من قطعك.

وتحليل ذلك، ليس بالشيء المميز أن نصل من يصلنا، أو نزور من يزورنا، أو نعود مريض من يعود مريضنا، نعم هي أعمال محببة ولكنها لا ترتقي إلى المنزلة الرفيعة والثواب العظيم الذي نحصل عليه عندما نصل من قطعنا. فالعلاقات الاجتماعية لا تبنى على مبدأ المقايضة وإلا أصبحت علاقات مادية وتجارية. فصلة من يصلنا هي كما يُعبر عنها ب ”تحصيل حاصل“، أو رد لجميل قام به الآخرون تجاهنا. بينما صلة من قطعنا فيه مبادرة، وفيه إحياء لمفهوم صلة الرحم بعد القطيعة، وفيه إعادة للروابط الأسرية التي تقطعت بسبب التباعد، وفيه إحياء للقلوب التي أصابها الصدأ، وفيه استنان بسنة النبي وأهل بيته عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

قال تعالى: «والسابقون السابقون أولئك المقربون». فالمبادرون إلى صلة الرحم قطعا لهم ثواب أعظم من غيرهم. عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين قال: سمعته يقول: «إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ثمّ ينادي مناد: أين أهل الفضل، قال: فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائكة فيقولون: وما كان فضلكم، فيقولون: كنّا نصل من قطعنا ونعطي من حرمنا ونعفو عمّن ظلمنا، قال: فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنّة».

وفقنا الله وإياكم إلى صلة الرحم، وجعلنا من المتمسكين بمنهاج نبي الرحمة ﷺ.