آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 12:08 م

التعليم وأثره في تطوير الذات والأسرة والمجتمع والوطن والأمة

حث الإسلام على طلب العلم بتأكيد متناهٍ ما لم يؤكد عليه غيره من الأديان سواء كانت الأديان السماوية أو الوضعية. فتجد في القرآن الكريم كثيرًا من الآيات التي تحث على طلب العلم وتعليمه. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ”شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ“. ورد في تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي في تفسير هذه الآية أنها اشتملت على شهادة الله والملائكة وأولي العلم بوحدانية الله ونفي الشرك. وأولوا العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو حيث يشاهدون من آياته الآفاقية الأنفسية وقد ملأت مشاعرهم ورسخت في عقولهم. فهم يعرفون الله حق معرفته ويعبدونه من منطلق معرفتهم إياه. لذا فهم يخشون الله سبحانه وتعالى عن علم به، فهم يخشونه في كل صغيرة وكبيرة، قال الله سبحانه وتعالى: ”إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ“.

وقد فضل الله العلماء على غيرهم من الناس حيث قال في كتابه العزيز: ”هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلمُونَ والذِينَ لا يَعْلَمُونَ“. وقال عز من قائل: ”يَرْفَعُ اللَّهُ الذِينَ آمُنوا مِنْكُمْ والَّذِينّ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتُ“.

ومن الآيات اللطيفة التي حثت على طلب العلم والاستزادة منه هي ما جاء في القرآن الكريم من أمر إلهي للإنسان في طلب العلم من خلال النبي الأعظم ﷺ حيث قالالله تعالى: ”وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا“. حيث طلبت الآية منا أن نتوجه بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى ونسأله الزيادة في العلم.

ونجد في أحاديثمشهورة للنبي ﷺ وصايا كثيرة في طلب العلم والحث عليه، حيث روي عنه: ”اُطلبوا العِلمَ ولو في الصِّين“، وروي عنه أيضا: ”طلبُ العلم فَريضَةٌ على كُلِّ مسلمٍ ومُسلمة“، كما روي عنه: ”اطْلُبُوا العلمَ منْ المَهْدِ إلى اللحدِ“.

وروي عن أمير المؤمنين الإمام علي أنه قال في وصف العلم: ”قيمةُ كُلِّ امرئٍ ما يُحسِن“. فالعلم زينة للمرء وقيمة معنوية ترفع من شأنه بين الناس.

ولا ننسى عنصرًا أساسيًا ومهمًا في نجاح مسيرة طلب العلم والوصول إلى الدرجات العلمية العالية ألا وهو التواضع. فالتواضع هو الوقود في استمرارية طلب العلم. فمن تواضع لله رفعه. فسوف يكون العلم تاجًا على رأس طالب العلم كلما تواضع لله.

ومن الملاحظ في الآيات والأحاديث الآنفة الذكر لم تحدد مجالًا معينًا أو حقلًا علميًا بعينه وإنما حثت على طلب العلم بشكل عام. وهذا ما أردت طرحه في هذا المقال عن أهمية طلب العلم ودوره في تطوير الذات والأسرة والمجتمع والوطن والأمة. ويبقى اختيار حقل العلم ومجالاته المتعددة على الإنسان نفسه وفقا لميوله وإمكاناته الإبداعية في أي حقل من تلك المجالات المتعددة. نعم هناك روايات ونصوص واردة عن أهل البيت فضلت علومًا على علوم أخرى، كعلوم الأديان وعلوم الأبدان، ولكن لسنا بصدد الحديث عنها في هذا المقال. بل ما أردت أن أركز عليه في هذا الموضوع هو الحث على طلب العلم بشكل عام دون تخصيص لعلم معين. فللعلم أثر إيجابي على سلوك الإنسان وتطوير ذاته معنويًا وماديًا.

من الناحية المعنوية، قطعا كلما زاد الإنسان في العلم كلما زادت حصيلته الفكرية. وكلما حصل على درجات علمية عالية كلما زادت مكانته في المجتمع. فالنضج الفكري يتناسب طرديًّا مع زيادة العلم، والمكانة المرموقة في المجتمع تتناسب طرديًّا مع الدرجات العلمية التي يتحصل عليها الإنسان.

من الناحية المادية، في الأحوال الطبيعية يزداد دخل الإنسان المعيشي كلما ازداد في العلم، أي كلما حصل على درجات علمية عليا. فتوجد علاقة طردية بين الدخل والعلم. وبمعنى آخر توجد علاقة طردية بين الدخل والجهد الفكري. وتوجد علاقة عكسية بين الدخل والجهد العضلي.

ومصداق ذلك، إذا نظرنا إلى الطبقة الكادحة في المجتمع لوجدنا أن الأكثرية منهم، هم أقل تعليما من غيرهم. لم أذكر هذا المثال استنقاصًا في حق الطبقة الكادحة وإنما أوردته فقط للمقارنة بينهم وبين من أوتي حظًا كبيرًا من العلم. فالطبقة الكادحة هم أكثر الناس ممارسة للعمل البدني، وهم أكثر الناس عرضة للشمس ولتقلبات الطقس، وأكثرهم بذلا للجهد العضلي، لكنهم في المقابل أقل العاملين دخلًا.

لنضرب مثالا آخر يبين الفرق بين أصحاب الشهادات، كمدرسي اللغة الإنجليزية مثلا. سوف نجد أن من لديه شهادة بكالوريوس نصابه التدريسي هو 24 ساعة في الأسبوع، بينما نصاب من لديه شهادة ماجستير هو 15 ساعة في الأسبوع، ونصاب من لديه شهادة دكتوراه هو 9 ساعات في الأسبوع. فكلما زادت الحصيلة العلمية المتمثلة بالشهادة لدى المدرس كلما قلَّ الجهد المطلوب تأديته في عمله. وقطعا فإن دخل من لديه دكتوراه أعلى من دخل من لديه ماجستير ودخل من لديه ماجستير أعلى من دخل من لديه بكالوريوس، وهكذا، وعليه فقس.

إذن من أراد الآخرة سوف يصل إليها بالعلم، ومن أراد الدنيا فيما يرضي الله سبحانه وتعالى سوف يصل إليها أيضا بالعلم.

وخلاصة القول أن بالعلم يتطور الإنسان ويتكامل، وهذا التطور بدوره سوف ينعكس إيجابيًا على الدوائر المحيطة به كأسرته ومجتمعه ووطنه. وبالعلم سوف تتكامل هذه الدوائر، وفي المحصلة يكون لها الدور الإيجابي في بناء الأمة وتطورها وتكاملها.