آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 10:50 ص

الشعائر الدينية بين الايجاب والخطر

أيمن رجاء النخلي *

ما أحب أن أنوه له هو أننا في هذا الزمن نعيش الغفلة الدينية، وهو تغليب العاطفة الدينية على حساب الفكر والوعي، والاستغراق في الشعارات على حساب القيم والوعي والفكر والاخلاص في الاعمال.

إحياء الشعائر هو من الأمور المهمة للغاية لإحياء وتشييد الدين، وهو من مظاهر الدين سيان أمام اصحاب الاديان الاخرى او المذاهب الفكرية الأخرى، او امام النشء والأجيال الجديدة، لزرع التدين في قلوبهم وعقولهم. فالشعائر هي أقوى وسيلة إعلامية للتعبير عن دين معين، وهو من مظاهر العزة والشرف والكرامة للأديان.

فالشعائر وسيلة إعلامية قوية لإحياء الدين ونشره ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ[سورة الحج 32]. لذلك علينا الاستفادة من هذه الشعائر في نشر القيم الصحيحة وأخلاق اهل البيت، لأنها شعائر لله ولإحياء أمر الله، ومن ذلك إحياء ذكر الرسول الأعظم وأهل بيته، لما يمثلونه من قيم دينية.

ولكن في هذا الزمن هناك من يروج للعاطفة الدينية على حساب الوعي والفكر، وتوظيف الشعائر لضرب الدين نفسه. ويكمن الخطر في عدة أمور:

«الخطر الأول»

- استخدام الشعائر لضرب الدين وتشويه صورته، وذلك عن طريق خلق شعائر جديدة يكون الهدف منها إظهار الدين او المذهب على أنه خرافات وطقوس خالي من الفكرة والمعنى، ويتم توظيف هذه الشعائر إعلامياً ليظهر للعالم ان التشيع مجرد طقوس وخرافات. ويتم التركيز على العاطفة لنشر مثل هذه الشعائر، وكأن الذي يرفض بعض هذه الشعائر ضال او مضل. وتصبح الشعائر وسيلة للفرقة وللغفلة على حساب ما تحمله من روح ووعي ووجدان وفكر.

«الخطر الثاني»

- استخدام الشعائر والعاطفة الدينية لنشر الفرقة سيان بين المسلمين الشيعة والسنة، او بين المسلمين والمسيح وهكذا. فنجد بعض الكلمات التي تستخدم لنبز فكر المذاهب الأخرى، أو رموزهم، بينما الدين يدعو في حقيقته الى احترام فكر المخالفين، وتدينهم، واحترام رموزهم. فيتم توظيف الشعائر الدينية للتعبير عن أهواء باسم الدين. فتصبح الشعائر الدينية وسيلة للشحن الطائفي والتفريق بين المسلمين، وضرب وحدتهم، وتمزيق صفهم لحساب انتصارات وهمية وعاطفية. وبالتالي ضرب الأمة الاسلامية وإضعافها، واستخدام الدين نفسه لسحقها من الداخل، ليضرب بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا. فبدلاً من أن يكون الدين عاملاً للوحدة والتعاون والتكامل، يصبح سبباً رئيسياً للفرقة والصراع والتمزق والاقتتال.

ولعله أريد لنا ان نستغرق في هذه الحرب الطائفية على حساب الوعي الديني وحقيقة التدين. إن الجهات التي تروج للعاطفة الشيعية هي نفس الجهات التي تروج للعاطفة السنية او المسيحية، فهي تروج للعواطف الدينية القائمة على التدافع والصراع الطائفي الوهمي. والصراع الطائفي ككرة الثلج ما إن تبدأه فإنه يزداد شيئاً فشيئا، حتى يهلك الأخضر واليابس.

وفي الحقيقة ليس هناك صراع ديني حقيقي، بل هي مجرد صراعات وهمية ابتدعها الجهلة، الذين لم يفهموا الدين إلا في قوالب من الأنا أو رغبات وأطماع الدنيا، أو أصنام عقلية وفكرية وعنصرية، فاعتقدوا أن الدين عنصري كما يظنون، والدين بعيد كل البعد عن العنصرية. فجميع المتدينين الحقيقيين إخوة ومتحابين حتى لو اختلفت مذاهبهم او اديانهم لانهم يطلبون حقيقة واحدة وهي الحق عز وجل، ويبحثون عن القيم والأخلاق الصحيحة التي لا تختلف عليها المذاهب او الأديان، والقلوب السليمة.

«الخطر الثالث»

ان الصراع الطائفي قد يفتك بالأديان، ويصبح اسلوب تفكير ليس فقط للأشخاص العاديين، بل حتى المفكرين والكتاب والنخب والوعاظ، فيصبح تفكيرهم قائم على التدافع المذهبي. فتلقى الخطب، وتؤلف الكتب، وتدرس على أساس التدافع المذهبي والصراع الطائفي. ولعل البعض يقوم بوضع أصول جديدة للمذهب الفلاني أو الفلاني، ويسميها أصول للمذهب، لكي ينتصر في معركته الوهمية، ويعزز التمايز والفرقة والطائفية بين المسلمين.

هذا التدافع المذهبي يخلق شلل في حركة التقدم الفكري الحقيقي، والذي يؤدي الى تخلف الأمة في قبال الأمم الأخرى. فبدلاً من أن تشتغل الأذهان في بناء الإنسان والأوطان، تنشغل في دوامة مغلقة من المراء والجدال الغير مثمر، تختفي تحت وطأته القيم الصالحة.

ولعل التدافع المذهبي قد أثر على الفكر الاسلامي منذ القدم، فنجد أصول الدين عند معظم المذاهب قائمة على فكرة التمايز بين اتباع كل عالم، وما ذهب إليه رأي هذا العالم أو ذاك، حتى أوجدنا ما يسمى بالمذاهب التي لم تكن موجودة في صدر الإسلام. فوضعت أصول لتحديد اتباع كل مذهب، ووضع خطوط فاصلة بين المسلمين، مع أن غالبية الاصول لا يختلف عليها المسلمون في حقيقتها وإن اختلفوا في تشخيصها او مسمياتها. ولو استمرينا على نفس اسلوب التفكير السابق بتقسيم المسلمين الى مذاهب جديدة، فإن عدد المذاهب سوف يتضاعف بشكل كبير جداً.

«الخطر الرابع»

الخطر الرابع هو استخدام الشعائر والعاطفة الدينية لضرب العلماء من أصحاب نفس المذهب، وبالتالي ضرب الحركة الفكرية او التجديد والحراك الفكري. فالشعائر هي لتشييد الدين وإحياؤه، وليست وسيلة للتضليل او التكفير، وقمع وإسقاط الشخصيات الفكرية باسم ضال مضل او ما شابه. وإن هذا الاسلوب هو من اساليب بني اسرائيل في محاربة الانبياء، وهو اسقاط قيمتهم الاجتماعية، وبالتالي درس آثارهم، وقد استخدم هذا الاسلوب الأمويين ووظفوا المنبر لشتم وإسقاط قيمة الامام علي ، وهذا الاسلوب هو قمة الارهاب الديني، لأن إسقاط كرامة الانسان باسم الدين هو انتهاك لكل حرماته «كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ» [سورة الذاريات 52].

فالمعيار يصبح عند بعض الاشخاص هو الهوى، وإن جعلوا من أهوائهم دينا، ويريدون كل ما يتفق مع هذه الأهواء، ويرفضون اي حق لا يتفق مع اهوائهم لان تدينهم هو تدين عاطفي صنمي، لا تدين عقلي وعبادي. «لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ» [سورة المائدة 70].

«الخطر الخامس»

وهو أن الصراعات الطائفية والتدافع العاطفي بدلاً عن التنافس الفكري يدفع الشباب نحو الالحاد او المادية والابتعاد عن التدين، وهذا ما تروج له بعض الجهات أيضاً عن طريق برامج التواصل أو المؤلفات والكتب. فالشباب يتصور أن مشكلتنا الرئيسة ليست في هذا المذهب او ذاك، او رجل الدين هذا او ذاك، بل يتصور ان الدين برمته هو المشكلة، وان التدين هو الخطر على المجتمعات، خصوصاً عندما تسقط مصداقية العديد من رجال الدين تحت سورة العواطف الدينية. ولان اي انفعال عاطفي بعيداً عن الفكر ورجاحة العقل، ولو كان باسم الدين او المذهب، هو زلل للقدم.

«الاحسان في القول والفعل»

وكعلاج للحالة الطائفية، لا بد أن لا يصدر عن الانسان الا الاحسان. فحقيقة التدين هو أن يكون الانسان محسنا لا جاهلاً، وهذا هو الانتصار والتدين الحقيقي على القيم الفاسدة. فشكر الخالق يستوجب الاحسان الى عباد الله بغض النظر عن انتماءاتهم أو توجهاتهم او اعراقهم، وسيان كان هذا الانسان مسلماً او حتى كافراً مسالما ”قولوا للناس حسنا“. والقول في الآية هنا ليس فقط الالفاظ، بل تشمل جميع افعال الانسان وحركاته.

فالعلاج الأنجع لمواجهة الحالة الطائفية هو مواجهة الاساءة من اي طرف مقابل لك بالإحسان اليه «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» سورة فصلت. فخير وسيلة لإخماد نار الطائفية هو بالإحسان بين المذاهب الاسلامية واتباعها، واحترام مقدسات ورموز ومعتقدات كل مذهب. وحتى لو تعرضت رموزي او معتقداتي للإهانة او الاساءة، فإن ذلك لا يكفي وليس مبرراً ان اسيئ لرموز الاخرين ومعتقداتهم، بل يجب ان يكون دفاعي عن معتقداتي هو بإظهار أفضل ما لدي من خير وإحسان، ودفع السيئة بالحسنة، لأن أفعالي تتحدث عما بداخلي. فإن صدر عني السوء فهذا يدل على قبح سريرتي، وان صدر عني الإحسان في قبال الاساءة فهذا يدل على حسن سريرتي.

بل إن الإساءة لمذهب أو معتقد معين، هي افضل فرصة لشرح وجهة النظر الصحيحة، وتصحيح الانطباعات الخاطئة لدى المخالفين. ومن جهة أخرى لا يجب محاكمة اصحاب مذهب او فكر معين بأفعال افراد قد يكونوا جهلة، او قبيحي السريرة، فمن الخطأ الفادح خسران الافراد الصالحين من كل مذهب لأنفسهم، لجريرة الاشخاص المسيئين، فذاك انتصار للشر على الخير.

الناس هم أيتام محمد وعلي، فعلينا كفالة هؤلاء الايتام والحنو عليهم وهدايتهم

«دور الشباب ومسؤولياته»

الجيل الحالي قد يدمر ما سبق بنائه بسبب العاطفة الا واعية، عاطفة بلا فكر بلا وعي بلا عمل رسالي تصبح خطرا، خصوصاً اذا اصبح الغرب هو الذي يتحكم في عواطفنا ويوجهها يمينا وشمالا عن طريق الاعلام الاصفر، او برامج التواصل الاجتماعي. فهو بالسيطرة على برامج التواصل الاجتماعي يسيطر على الفكر واسلوب التفكير، وبالتالي الأفعال والمخرجات.

الامة الاسلامية تعاني الان من الارهاب في كل مكان، قد يكون هناك اجندات اجنبية، ولكن اللوم والتقصير هو علينا نحن، لان الامة الاسلامية اهملت شبابها ولم تبادر الى نشر الفكر والوعي واليقظة. لابد للجيل الحالي من ان يصنع فكره وثقافته، ويكون له تراث فكري وقيمي مؤثر في بناء الفكر الإسلامي.

أدعوا الشباب بدلاً من التفاعل السلبي مع هذه البرامج، وفقط تلقي ما يتم القائه، الى التفاعل الايجابي، والى الاخذ بزمام المبادرة والعمل للقيادة الفكرية. ليعمل الشباب على النهضة الفكرية، هذا دوركم انتم ايها الجيل الحالي للشباب للنهضة في الفكر الإسلامي، لا تنتظروا الآخرين ان يقوموا بما يجب ان تقوموا به انتم. انتم شباب اليوم، ومستقبل الامة، وبيدكم وبأفعالكم يتم تحديد مصير هذه الامة، فإما ان تغط في سبات من الجهل والظلام لسنوات عديدة لتقصيرنا وتقاعسنا، وإما ان تتحرك نحو النور والضياء وتنافس الامم الاخرى بما يقدمه شبابها من روح وعمل وفكر وجرأة.

أدعو الى أعمال إيجابية للتقارب بين الشيعة والسنة، وبين الشيعة والشيعة واصلاح الصف الداخلي، وادعوا الى رفض كل الاعمال مهما كان مصدرها التي تمزق الصف الداخلي الشيعي، او تمزق الوحدة الاسلامية.

كاتب من المدينة المنورة