آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 1:10 م

{ولقد كرمنا بني آدم}

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى.

أما بعد..

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا، سورة الإسراء: الآية 70.

ورد في تفسير الأمثل لآية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ما نصه:

"بأي شيء كرَّم الله الإِنسان؟ الآية تقول بشكل مجمل: ﴿وَلقد كرَّمنا بني آدم. بين المفسّرين كلام كثير عن مصداق هَذا التكريم، فالبعض يعزو السبب لقوّة العقل والمنطق والاستعدادات المختلفة وَحرية الإِرادة. أمّا البعض الآخر فيعزو ذلك إِلى الجسم المتزن والجسد العمودي، والبعض يربط ذلك بالأصابع التي يستطيع الإِنسان القيام بواسطتها بمختلف الأعمال الدقيقة، وأيضًا تمنحهُ القدرة على الكتابة والبعض يعتقد أنّ التكريم يعود إِلى أنّ الإِنسان هو الكائن الوحيد الذي يأكل طعامه بيده. وهناك مَن يقول: إنّ السبب يعود إِلى سلطة الإِنسان على جميع الكائنات الأرضية. وهناك مِن المفسّرين من يعزو التكريم إِلى قدرة الإِنسان على معرفة الله، والقدرة أيضاً على إطاعة أوامره.

لكن مِن الواضح أنَّ جميع هَذِهِ المواهب موجودة في الإِنسان وَلا يوجد تضاد بينها، لذا فإِنَّ تكريم الخالق لِهَذا المخلوق الكريم يتجلَّى من خلال جميع هَذِهِ المواهب وَغيرها.

خلاصة القول: إِنَّ الإِنسان لهُ امتيازات كثيرة على باقي المخلوقات، وَهَذِهِ الامتيازات الواحدة منها أعظم مِن الأُخرى; فمضافاً إِلى الامتيازات، فإِنَّ روح الإِنسان لها مجموعة واسعة مِن الاستعدادات والقدرات الكبيرة التي تؤهلُهُ لطي مسيرة التكامل بشكل غير محدود. "

فنلاحظ أن الله سبحانه وتعالى كرم عموم بني آدم - المؤمن منهم والكافر والمشرك، والمطيع والعاصي على حد سواء - وفضلهم على كثير من مخلوقاته. وسخر الله لبني آدم الدواب والفلك لتحملهم من مكان إلى مكان آخر لتجعل سعيهم سهلا ميسرًا. وسخر كل المخلوقات الأرضية لخدمتهم. ورزقهم الله سبحانه وتعالى من جميع الطيبات.

ويجيب آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي على سؤال قد يقدح في أذهان كثير من الناس وهو:

ما الفرق بين ﴿كرَّمنا و﴿فضَّلنا؟

فيقول: "هُناك آراء كثيرة حول التفاوت بين ﴿كرَّمنا وَ ﴿فَضَّلنا فالبعض يقول: إنّ ﴿كرّمناهي إِشارة إِلى المواهب التي أعطاها الله ذاتًا للإِنسان، بينما «فضَّلنا إِشارة إِلى الفضائل التي اكتسبها الإِنسان بسبب توفيق الله.

هُناك احتمال قوي بأنّ ﴿كرّمنا إشارة إِلى الجوانب المادية، أمّا ﴿فضّلنا فهي إشارة إِلى المواهب المعنوية، لأنَّ كلمة ﴿فضَّلنا غالبًا ما تأتي في القرآن بهذا المعنى. "

ويجيب أيضًا حفظه الله على سؤال آخر وهو:

ما معنى كلمة ﴿كثير في الآية؟

ويقول: "بعض المفسّرين يعتبرون الآية الآنفة دليلا على أفضلية الملائكة على بني الإنسان، فالقرآن يقول بأنَّ الإِنسان مفضَّل على أكثر المخلوقات، وَتبقى مجموعة لا يكون الإِنسان أفضل مِنها، وَهَذِهِ المجموعة ليست سوى الملائكة.

وَلكن بملاحظة آيات خلق آدم وسجود الملائكة وَتعليمهم «الأسماء» مِن قبل آدم، لا يبقى شك في أنَّ الإِنسان أفضل مِن الملائكة.

لذا فإِنَّ كلمة «كثير» تعني هُنا «جميع». وَكما يقول المفسّر الكبير الشّيخ الطبرسي في مجمع البيان، فإنَّ استخدام كلمة «كثير» بمعنى «جميع» يعتبر عاديًا وَواردًا في القرآن الكريم وَفي لغة العرب.

وَهكذا يكون معنى الجملة حسب تفسير الطبرسي لها هو: ﴿إِنّا فضلناهم على مَن خلقناهم، وهم كثير.

فالقرآن يقول عن الشياطين في الآية «223» مِن سورة الشعراء: ﴿وأكثرهم كاذبون بينما مِن البديهي أنَّ كل الشياطين كاذبين وَليس أكثرهم، وَإنّما استخدمت الآية «كثير» بمعنى «الجميع». على أي حال، إِذا اعتبرنا المعنى خلافًا للظاهر، فإِنَّ آيات خلق الإِنسان ستكون قرينة واضحة لذلك. "

ويجيب الشيخ الشيرازي على سؤال هام وهو:

لماذا كان الإِنسان أفضل المخلوقات؟

فيقول: لا يعد الجواب على هَذا السؤال معقدًا، إِذ أنّنا نعلم أنَّ الإِنسان هو الكائن الوحيد الذي يتكون مِن قوى مُختلفة، مادية وَمعنوية; جسمية وَروحية، وَينمو وَسط المتضادات، وَلهُ استعدادات غير محدودة للتكامل والتقدُّم.

وَهُناك حديث معروف للإِمام علي وَهو شاهد على ما نقول، إِذ يقول فيه : «إِنَّ الله عَزَّو جلّ ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كلتيهما; فمن غلب عقله شهوته فهو خيرٌ مِن الملائكة، وَمن غلبت شهوته عقلُه فهو شرٌّ من البهائم»، نور الثقلين، المجلد الثّالث، صفحة 188.

وَهُنا يبقى سؤال واحد: هل أنَّ جميع البشر أفضل مِن الملائكة، في حين يوجد بين البشر الكفار والمجرمون والظالمون، وَهَؤلاء يُعتبرون مِن أسوأ خلق الله. بعبارة أُخرى: هل أنَّ كلمة «بني آدم» في الآية تنطبق على جميع البشر أم على قسم مِنهم؟

يمكن تلخيص الإِجابة على هذا السؤال في جملة واحدة هي: نعم جميع البشر أفضل، وَلكن بالقوة والاستعداد، يعني أنّ الجميع يملك الأرضية ليكون أفضل، وَلكنَّهم إِذا لم يستفيدوا مِن هَذِهِ الأرضية والقابلية المودعة فيهم، وسقطوا في الهاوية، فإنَّ ذلك يكون بسببهم وَيعود عليهم فقط.

وَبالرغم مِن أنَّ أفضلية الإِنسان هي في المجالات المعنوية والإِنسانية، وَلكن بعض العلماء ذكر أنَّ الإِنسان قد يكون أقوى من سائر الأحياء حتى من جهة القوّة الجسمية بالرغم مِن أنَّهُ يعتبر ضعيفاً في مناحٍ أُخرى. "

مع كل هذه المكانة العظيمة والمنزلة الرفيعة التي جعلها الله سبحانه وتعالى لعموم بني آدم، يأتي من يجعل من الإنسان المؤمن ”الموالي لأهل البيت “ أضحوكة أمام العالم بأسره أمام شاشات التلفاز، في منظر مقزز للفطرة السليمة فيطلق على ذلك المؤمن بأنه ”كلب الإمام“.

فترى أناسًا يزحفون على الأرض وينبحون كالكلاب على أن هذه الممارسة شعيرة يتعبدون بها. ويظهر لنا معمم لا يفقه من الفقه حتى حروف كلمة ”فقه“ ليستنبط حكمًا شرعيًا من ممارسة هؤلاء الجهال على أنها شعيرة حسينية يستحب التعبد بها، فيُشرعِن تلك الممارسات المذلة لكرامة الإنسان، تلك الكرامة التي وهبها الله لعموم بني آدم فضلا عن الإنسان المؤمن.

فرجائي من علماء الأمة الأعلام وبالخصوص المراجع العظام، أن يوقفوا هذه الأصوات النشاز التي ظهرت في ساحة أتباع مذهب أهل البيت ، وإن لم يستطيعوا القيام بهذا الدور لإنقاذ الإسلام المحمدي الأصيل، فعلى الجمهور الواعي التصدي لإسقاط هذه الأصوات النشاز، وذلك بعدم حضور مجالسهم وعدم الاستماع إليهم، وفضحهم أمام الملأ بالقلم والكلمة.