آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 1:25 م

الدكتور عبد الرحمن الوابلي أتقن فن التعايش قولا وسلوكًا

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[1] . ورُوي عن رسول الله ﷺ، قوله: ”أحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعباده، وأقومهم بحقه، الذين يحبب إليهم المعروف وفعاله“ [2] . من الأمور الغيبية في حياتنا التي لا نجد لها أحيانًا تفسيرًا منطقيًّا هي الارتياح لشخص ما، قد يكون أول مرة نقابله، أو أول مرة نتعرف عليه من خلال مقال كتبه أو برنامج تلفزيوني شارك فيه، أو سمعنا أحدهم يتكلم عنه بحديث جميل يبرز فيه خصاله الطيبة.

ومن هؤلاء الأشخاص الذين دخلوا القلب والوجدان من غير استئذان هو الدكتور عبد الرحمن الوابلي. هذا الإنسان الفذ أحببته في الله من غير أن أجتمع به أو أُحادثه. لقد أحببته من خلال مقالاته وفكره ومنطقه، ومن خلال مواقفه الوطنية في كثير من الأحداث، ومن خلال حرصه على التعايش بين أبناء الوطن، بين جميع فئاته ومذاهبه وطوائفه. وظّف قلمه وحياته كلها في تعزيز مبدأ فن التعايش ونبذ العنف من خلال المقال الصحفي والدراما التلفزيونية.

ولقد أجاد الدكتور الوابلي من خلال المقال والدراما في زرع هذا المبدأ وتعزيزه - أي مبدأ فن التعايش وقبول الآخر في نفوس المواطنين، وأظهره كقيمة أخلاقية حثّ عليها ديننا الإسلامي الحنيف. وكان الدكتور الوابلي منطلقًا في هذه القيمة الأخلاقية من قول الله سبحانه تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم[3] . وهذا السلوك الأخلاقي هو مصداق لقول الإمام علي في عهده لمالك الأشتر رضوان الله تعالى عليه في وصفه للناس: ”فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق“ [4] . والجميل في قول الإمام أنه استخدم مفردة ”الدين“ ولم يستخدم مفردة ”الإسلام“ وكأنه يهدف من قوله هذا إلى مخاطبة جميع أهل الأديان المختلفة ليقول لهم: إن هذا الإنسان إما أخ لك في دينك الذي تنتمي إليه، سواء كان دينك هو الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو المجوسية، أو غيرها من الأديان السماوية أو الوضعية الأخرى، أو أنه أخ لك في الإنسانية لكنه ينتمي إلى دين آخر مغاير لدينك. وأيضا هو يخاطب أتباع جميع المذاهب في أي منظومة من منظومات تلك الأديان. ومنه نستنتج أن التعايش السلمي ومفهوم المواطنة مبدأ إسلامي أصيل حث إليه الإسلام وركز عليه. فشكرًا للدكتور الوابلي على تكريسه لهذا المبدأ السامي في المجتمع. وأجره على الله سبحانه تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

لقد فُجع الوطن ومواطنوه بنبأ رحيل المغفور له بإذن الله تعالى الدكتور عبد الرحمن الوابلي الذي وافاه الأجل المحتوم في يوم الجمعة الموافق 25/3/2016م. لقد نزل هذا النبأ كالصاعقة على قلوب أهله ومحبيه. وبرحيل هذا الإنسان الكبير، الدكتور عبد الرحمن الوابلي، خسر الوطن أحد أهم وأبرز أصوات الاعتدال في زماننا هذا. رحم الله الفقيد وغفر له وأسكنه جنته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان إنه سميع مجيب.

[1]  سورة آل عمران، الآية: 31.
[2]  موقع السراج. مبادئ التحبب إلى الله.
http://www.alseraj.net/maktaba/kotob/akhlagh/mhabat/arabic/products/books/dusti/dus-ar-02-03.htm
تم الاطلاع عليه في 27/3/2016م.
[3]  سورة فصلت، آية 34.
[4]  عبده، محمد، نهج البلاغة، ج3، ص84، دار المعرفة للطباعة والنشر: بيروت، لبنان.