آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 12:08 م

هل «كان النشيد تعبانا»... أم كان الفَهِيم مرضانا؟!

بل كان القصيد مُزدانا

ما هكذا يُفهم القصيد يا أستاذ خلف الحربي. لقراءة القصيد ونقده له أدواته وأسسه الأدبية التي ينبغي أن توظف بحيادية كي يُقَوّم القصيد بموضوعية. أطل علينا الأستاذ خلف الحربي من خلال نافذته على شارعين في صحيفة عكاظ حيث كتب مقالا بعنوان «بل كان النشيد تعبانا» [1] . وقال في مقاله: «من وجهة نظر شخصية ومع كل التقدير للشاعر حيدر العبدالله أرى أن القصيدة كانت ضعيفة على كل المستويات حتى لو دافع عنها النقاد والأدباء، لست بناقد ولا أدعي معرفة بالشعر أكثر من غيري ولكن هذا هو ذوقي وهذه هي وجهة نظري الشخصية التي بنيتها على حبي للشعر وعلمي بأنه في هكذا حالات ينطلق من ثلاثة أركان أساسية هي الوزن والقافية والإلقاء.. وقد كان الوزن قصيرا إلى درجة أنه لا يستوعب صورة غير عادية.. وكانت القافية ملتوية إلى درجة أفقدتها قوة التأثير في النفوس.. وكان الإلقاء هادئا إلى درجة تسبب النوم» [2] .

إذن الأستاذ الحربى أبدى رأيه الشخصي في قصيدة الشاعر حيدر العبدالله «مخطوطة القرى والظلال» دون أن يكون لديه أدوات النقد الأدبي، ومن غير معرفة بالشعر ومقوماته أكثر من غيره. ومع ذلك قرر أن القصيدة كانت ضعيفة على جميع المستويات مهما دافع عنها النقاد والأدباء الذين لهم باع طويل ومعرفة دقيقة بأدوات النقد الأدبي. ضرب الأستاذ الحربي برأيهم العلمي عرض الحائط في مقابل رأيه المبني على أساس ذوقي شخصي، وإن ألبسه بردة أدبية بزعمه أن أركان الشعر الأساسية هي الوزن والقافية والإلقاء.

من بديهيات الشعر العربي أن الإلقاء ليس له علاقة في بناء القصيدة. فهناك شعراء كبار من الأولين والآخرين في عالمنا العربي لا ينشدون قصائدهم في المحافل الشعرية. مع ذلك، بقيت قصائدهم على مر التاريخ شامخة يتغنى بها الأجيال جيل بعد جيل. وللعلم أن مقومات الشعر العربي هي: الوزن والقافية والفكرة والألفاظ اللغوية والمحسنات البلاغية والصور الإبداعية. وسوف أركز على الوزن والقافية التي انتقدهما الأستاذ الحربي.

أما بالنسبة للوزن الشعري، فيعتبر من المقومات الأساسية في بناء القصيدة. والأستاذ الحربي انتقد وزن قصيدة الشاعر العبدالله بأنه وزن قصير لا يستوعب الصور الجميلة. لقد جانبه الصواب في نقده، فالقصيدة بُنيت على البحر الخفيف. وهذا الوزن كتب عليه كثير من الشعراء العرب كعنترة بن شداد والمعري وابن الرومي والمتنبي وغيرهم.

أما بالنسبة للقافية، أيضًا تعتبر من المقومات الأساسية في بناء القصيدة. والأستاذ الحربي انتقد قافية قصيدة الشاعر العبدالله بأنها ملتوية وقد أفقدتها قوة التأثير في نفوس الجماهير. في الحقيقة هذا الرأي عجيب غريب، لأن قافية النون هي من أجمل القوافي وخاصة إذا كانت ممدودة بالألف، حيث تخرج القافية من أعماق منشد القصيدة. وهذه القافية كتب فيها كثير من الشعراء العرب كالمتنبي وجرير وعمر ابن أبي ربيعة وأسامة بن منقذ والجواهري وغيرهم من الشعراء القدامى والمعاصرين.

هل ”كان النشيد تعبانا“؟

هل فعلا ”كان النشيد تعبانا“ كما يعتقد الأستاذ الحربي؟ أو أن هناك سببًا آخر جعله يصدر قرارًا بعدم أهلية قصيدة الشاعر العبدالله؟ حيث ختم الأستاذ الحربي مقاله بجملة مُقفاة: ”والقصيد هنا كان تعبانا“.

دعونا نتعرف على بعض آراء النقاد والأدباء الذين أدلوا بدلوهم في قصيدة «مخطوطة القرى والظلال». في تسجيل صوتي للشاعر المشهور ناصر الفراعنة نُشر على موقع اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي قال فيه عندما سئل عن قصيدة الشاعر العبدالله: ”هي على البحر الخفيف وهي من أجمل ما سمعت مؤخرًا في الشعر العربي ولكن خانهُ الإلقاء“ [3] .

وقال الدكتور علي الموسى، أستاذ جامعي في الأسلوبية والنقد الاجتماعي للغة: ”ويؤسفني جدًا أنني لم أجد فردًا يقرأ قصيدة حيدر العبدالله“. وقد اقترح الدكتور الموسى لأحد طلابه في مرحلة الماجستير عنوانًا لرسالته: ”سرد النقائض في الصورة الشعرية التقابلية لحيدر العبدالله“. حيث قال اقترحت هذا العنوان لأن الشاعر حيدر العبدالله يحلق في تقابليات النقيض في مطالع قصائده. وحتى قصيدته الأخيرة تزخر في المطلع بهذا الاختصاص المدهش [4] .

وقال الكاتب إبراهيم علي نسيب في زاويته «همزة وصل»: ”قصيدة «حيدر» التي تناولها الشعب كله في أدوات التواصل وكأنه ينتقصها والحقيقة أنها قصيدة كاملة البناء رائعة التكوين، راقية البيان، فصيحة النسج والفصول التي تهديك منها بيانًا وسحرًا“ [5] .

وقال الشاعر والباحث والناقد محمد الظفيري: ”من يقرأ القصيدة بمعزل عن الصخب الانتقادي الذي انفجر جماهيريًّا، سيجد نفسه أمام نص شعري يمتاز بمعانيه الشعرية الرائعة“ [6] .

من خلال هذا الاستعراض السريع لبعض النقاد والأدباء الذين قيموا قصيدة الشاعر العبدالله وامتدحوا شاعريته العذبة، يتبين لنا أن نقد الأستاذ الحربي للقصيدة لم يكن موضوعيًّا البتة.

أم كان الفَهِيم مرضانا؟!

يتبين لنا مما سبق أن هناك سببا آخر لحكمه على القصيدة بأنها ضعيفة البناء على جميع المستويات، وهو أن الأستاذ الحربي لديه خلل في قراءة القصيدة وعدم القدرة على استيعاب المعاني الجميلة التي رسمها الشاعر العبدالله بريشته الفنية الرائعة. حيث قال في مقاله أنه قرأ القصيدة عدة مرات واستمع إليها بصوت الشاعر العبدالله وبصوت الأستاذ خالد المدخلي، وخلص إلى هذه النتيجة: ”فعجزت عن العثور على مواطن الجمال فيها، ويكفيني منها هذا البيت: «ستظل البلاد خضراء.. خضراء.. تظل النبات والإنسانا» كي أقول عنها بأنها قصيدة فقيرة جدًا“ [7] .

إذن المشكلة الأساسية لدى الأستاذ الحربي أنه لم يفهم أو لم يكتشف الصور الشعرية الجميلة التي تميزت بها القصيدة. فجاء حكمه معوجًا كما أن نقده كان سقيمًا. وقد استهزأ بالقصيدة، وقال عنها فقيرة جدًا من خلال البيت «ستظل البلاد خضراء.. خضراء.. تظل النبات والإنسانا»، وهذا يدل فعلا عن عدم توفر القدرة على فهم مرامي الشاعر ورمزية الألفاظ في هذا البيت. في رأيي لقد أجاد الشاعر العبدالله في هذا البيت حيث استحضر النشيد الوطني بأكمله واختزله في بيت شعر واحد. ورسم صورة إبداعية جميلة من خلال تكرار كلمة ”خضراء“ ليرمز إلى تموج الراية الخضراء عندما ترفرف في الفضاء.

انتقد الأستاذ الحربي ”طقطقة“ الدهماء - في مواقع التواصل الاجتماعي - الذين سخروا من قصيدة «مخطوطة القرى والظلال» وأشبعوها سلخًا، ومن حيث يشعر أو لا يشعر ركب الموجة ذاتها. وللأسف يعتبر مقاله أكثر فتكًا بالشاعر وقصيدته من رأي الغوغاء، لأن مقاله غير العلمي محسوب على المثقفين الذين ينبغي عليهم أن يتحروا الأمانة في النقد وإبداء الرأي.

بل كان القصيد مُزدانا:

ختامًا أشكر أمير الشعراء الشاعر الكبير حيدر العبدالله على قصيدته الرائعة «مخطوطة القرى والظلال» التي ألقاها أمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله. فقد كان حيدر الاختيار الأمثل ليُنشد الشعر في حضرته. وأهمس في أذنه: امض قدما نحو المعالي فلن يضيرك صراخ من لم يستعذب جمال شعرك ولم يفهم بلاغة نبضك.

ويبقى فن الإلقاء مسألة ذوقية. ما يعجبني سماعه قد لا يعجب غيري. وما يعجب غيري قد لا يعجبني. وكلي ثقة بأنك قادر على التنويع في أسلوب الإلقاء تمشيًا مع ذوق المستمعين والمتذوقين لشعرك الجميل. وفقك الله لكل خير في دراستك وشعرك وحياتك العلمية والعملية.

 

[1]  الحربي، خلف. بل كان النشيد تعبانا. صحيفة عكاظ، 30/11/2016م. http: //www. okaz. com. sa/article/1511817/. تم الاطلاع عليه في 4/12/2016م.

[2]  الحربي، خلف. مصدر سابق.

[3]  الموسى، طالب.“الفراعنة”عن قصيدة الشاعر حيدر العبدالله:“من أجمل ما سمعت مؤخرا في الشعر العربي”. صحيفة الأحساء نيوز، 29/11/2016م. http: //www. hasanews. com/6405344. html. تم الاطلاع عليه في 4/12/2016م.

[4]  الموسى، علي سعد. سكنانا وإعدام الذائقة العامة. الوطن أون لاين، 4/12/2016م. http: //www. alwatan. com. sa/Articles/Detail. aspx?ArticleId=32631. تم الاطلاع عليه في 4/12/2016م.

[5]  نسيب، إبراهيم علي. حيدر والبلاد خضراء.. خضراء!! صحيفة المدينة، 4/12/2016م. http: //www. al - madina. com/node/711266/. تم الاطلاع عليه في 4/12/2016م.

[6]  الظفيري، محمد. حيدر العبدالله بين مطرقة الإلقاء وسندان الحضور. صحيفة الشرق، 3/12/2016م. http: //www. alsharq. net. sa/2016/12/02/1616881. تم الاطلاع عليه في 4/12/2016م.

[7]  الحربي، خلف. مصدر سابق.