آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 12:08 م

جدلية الحمض النووي والانتساب إلى بني هاشم

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى.

أثير في السنوات العشر الماضية موضوع الحمض النووي «DNA» وأنشئت مجموعات ومشاريع متعددة وقد نُشر فيها نتائج تحليل الحمض النووي، ومن هذه المشاريع ما هي إقليمية، ومناطقية، وقبيلة، وعرقية، واثنية، وغيرها من المجموعات. ومما أثير أيضا في هذا السياق، جدلية الانتساب إلى الدوحة الهاشمية، وبالتالي: من هم السادة، ومن هم الأشراف، ومن هم العلويون، ومن هم بنو هاشم؟ وهل نتائج التحليل للحمض النووي تستطيع أن تحدد هذه الفئات وتفرزها وفقا للمشجرات النسبية الموجودة في كتب الأنساب؟ وغيرها من الأسئلة الاستفهامية.

جدلية الحمض النووي - مقال عادل الحسينعند استعراض أي مشروع يهتم بالحمض النووي لبني هاشم سوف نجد أن أعضاءه ينتمون إلى عدة فروع من بني هاشم وفقًا لمشجراتهم النسبية التي بحوزتهم. وسوف نجد أن هؤلاء الأعضاء موزعون إلى عدة مجموعات «سلالات وراثية» وفقا لقراءات نتائج التحليل للحمض النووي. وبشكل عام، السلالات الوراثية المشهورة هي: «A، B، C، F، D، E، G، H، I، J1، J2، K. L، N، P، Q، R». وسوف تجد أن سلالات بني هاشم تتمحور في السلالات الوراثية التالية: «J1، J2، E، G، R، Q». ويُقصد ببني هاشم: هم كل من انحدر من هاشم بن عبد مناف الجد الثاني للنبي محمد ﷺ.

سوف أذكر على سبيل المثال بعض المشاريع المنشورة على موقع «FAMILY TREE DNA» عن نتائج تحليل الحمض النووي، مثلا انظر مشروع «Quraysh & Banu - Hashem» [1] ، وانظر أيضا مشروع «السادة ”بنو هاشم“» [2] ، سوف تجد أن كثيرًا من القرشيين والهاشميين وفقا لموروثهم التاريخي ينتمون جينيًّا إلى السلالة J1. والبعض الآخر منهم ينتمون جينيًّا إلى السلالات «J1، J2، E، G، R، Q». والسؤال الجوهري هو: هل كل هذه السلالات الوراثية «J1، J2، E، G، R، Q» تنتمي جينيًّا إلى هاشم بن عبد مناف؟ الجواب بكل وضوح ”لا“. والسبب في ذلك أن عمر السلالة الوراثية J1 على سبيل المثال أكثر من 10 آلاف سنة. واخترت السلالةJ1 لكون أن أكثر الهاشميين ينتمون إلى هذه السلالة. فإذا كان هاشم بن عبد مناف يقينا جدًا للمنحدرين من هذه السلالة، فإنه لن يكون جدًا للمنحدرين من السلالات الأخرى «J2، E، G، R، Q».

ولكن، هل نستطيع أن نجزم أن هاشم بن عبد مناف ينتمي جينيًّا إلى السلالةJ1؟ الجواب طبعا سيكون بالنفي لغياب عينته وعدم وجود نتائج التحليل لعينته. يخلط بعض الناس بين فحص علم السلالات الذكورية الجينية Y وبين فحص الأبوة الموجود في المعامل الجنائية، والاختلاف بينهما كبير حتى في طريقة الفحص ونوعيته. لأن فحص علم السلالات الذكورية يتعلق بالتحورات والسلالات الجينية القديمة وليس اختصاصه في معرفة الأب والابن.

مثلا لو فرضنا جدلا، في إحدى المستشفيات، بأن امرأتين ولدتا طفلين ذكرين في آن واحد، وحصل اشتباه في الحضانة بحيث لم يُعرف أي الطفلين للمرأة الأولى. ففي عصرنا الراهن حل هذا الاشتباه سهل جدا وذلك بعمل تحليل الحمض النووي للطفلين والأبوين والمقارنة بين كل منهما لإثبات الأبوة لهذين الطفلين.

أما إذا أردنا أن نعرف يقينا انتساب أحد الأشخاص في يومنا هذا إلى شخص آخر كان موجودًا قبل 1500 سنة، في هذه الحالة نحتاج إلى عمل تحليل الحمض النووي لكلا الشخصين. وبالطبع هذا التحليل متعذر للشخص الآخر، لحرمة نبش القبور في الشريعة الإسلامية. وعليه فلن نتمكن من التحقق يقينيا من انتساب الشخص الأول إلى الشخص الآخر.

لذلك التشجير الجيني لبني هاشم الذي قام به بعض المهتمين في عصرنا الحالي ما هو إلا تشجير ظني مبني على تشجير وراثي تاريخي ظني أيضًا. لهذا لا نستطيع الجزم بصحة هذا التشجير بسبب غياب المرجعية العلمية التاريخية «المتمثلة في عينة الحمض النووي» حتى يتم مقارنتها مع عينة الحمض النووي لشخص معاصر.

فلو فرضنا جدلا أن الأكثرية من بني هاشم ينتمون إلى السلالةJ1، واستطاع العلم الحديث أن يثبت هذا الانتماء، وقد سلمنا بهذه النتيجة العلمية، فما هو مصير الآخرين من بني هاشم الذين ينتمون إلى السلالات الأخرى «J2، E، G، R، Q»؟ في رأيي ينبغي أن يُعتبر انتسابهم إلى بني هاشم صحيحًا إذا كان لديهم موروث نسبي تاريخي يثبت انتسابهم إلى الدوحة الهاشمية أو اشتهر بين الناس جيلا بعد جيل انتسابهم إلى الدوحة الهاشمية. ورأيي هذا مبني على عدة أسباب:

أولا: التحالف بين القبائل:

من المشهور تاريخيًّا بين القبائل دخول بعض القبائل في حلف مع قبائل أخرى لأسباب عدة، قد تكون أسبابًا اقتصادية أو سياسية، وقد تكون لأسباب صراعات قبلية أو هجرات القبائل من مكان إلى آخر. وقد يكون هذا الاندماج بين القبائل حلفيًّا أو نسَبيًّا. فإذا كان الاندماج حلفيًّا بمعنى أن قبيلتين أو أكثر دخلوا في حلف بمسمى جديد ينتمون إليه وبالتالي تختفي أسماء قبائلهم الأساسية مع مرور الزمن.

وقد يكون الاندماج نسَبيًّا، بحيث تذوب إحدى القبائل في قبيلة أخرى نسبيًّا فتنتسب إلى اسمها. ومع مرور الزمن يختفي اسمها الأول.

لذا قد يحصل أن قبيلة عربية أو غير عربية من السلالات الأخرى «J2، E، G، R، Q» تحالفت نسبيًّا مع قبيلة من بني هاشم وانصهرت معها، فصار أفرادها غير الهاشميين يُدعَون بالهاشميين.

وقد يحصل أن قبيلة من بني هاشم تحالفت نسبيًّا أو حلفيًّا مع قبيلة عربية أو غير عربية وانصهرت معها، فصار أفرادها الهاشميون يُدعَون بغير اسم قبيلتهم الهاشمية. وهذا الاحتمال وارد، وقد وجدت عينات لقبائل معروفة مشهور عنهم بأنهم ليسوا من بني هاشم، ومع ذلك نتائج تحليل الحمض النووي لعينتهم متطابقة مع نتائج الهاشميين الذين ينتمون إلى السلالةJ1، انظر مشروع «شرق الجزيرة العربية» [3] .

ثانيا: الانتساب إلى هاشم من جهة الأم:

من المعروف أن الفقهاء المعاصرين يذهبون إلى أن استحقاق الخمس يكون لمن انتسب إلى هاشم بن عبد مناف الجد الثاني للنبي ﷺ من جهة الأب فقط. ولكن علم الهدى السيد أبو القاسم السيد علي بن حسين بن موسى المعروف بالشريف المرتضى «355 هـ  - 436 هـ » له رأي آخر. حيث يرى السيد المرتضى أن استحقاق الخمس يكون لمن انتسب إلى هاشم بن عبد مناف من جهة الأب ومن جهة البنت أيضا[]. وتبعه في هذا الرأي وأصر عليه الفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 هـ [].

من الملاحظ أن هذا الرأي عُمل به ردحًا من الزمن منذ القرن الرابع والخامس الهجريين. وهذا الرأي وسّع دائرة استحقاق الخمس لكل من انتسب إلى هاشم بن عبد مناف من جهة الآباء والأمهات. وربما التبس على الأجيال اللاحقة من أبناء الأمهات أنهم هاشميون من جهة الأب. وبالفعل هذا قد حدث، إذ يوجد في عصرنا الراهن عائلات معروفة - في الأصل غير هاشمية - أصبحت هاشمية وفقًا لهذا الرأي الفقهي. وعليه وفقًا لهذا الرأي قد يكون هناك عائلات ينتمون إلى السلالات «J2، E، G، R، Q» واشتهروا بأنهم هاشميون. لذا ينبغي على المجتمع ألا يُشهر بهذه العائلات بأنهم ليسوا هاشميين.

ثالثا: التقية:

قد يُخفي الهاشمي هويته تقية تحت ظروف قاهرة خوفًا على نفسه وماله وعرضه. وربما ينشأ عدة أجيال في أجواء التقية، فتذوب هويتهم الهاشمية، لذلك سوف يكون نسله في يومنا هذا مشهور عنهم بأنهم غير هاشميين. وبهذا لو قُدر لأحد أحفاد ذلك الهاشمي المتخفي عن أنظار متتبعيه، أن يقوم بفحص الحامض النووي، سوف تظهر النتائج متطابقة لنتائج الهاشميين الذين ينتمون إلى السلالةJ1.

رابعا: الادعاء:

وقد يحدث أن أحد الأشخاص «غير هاشمي» كان يعيش في القرن العاشر الهجري، هاجر من وطنه إلى وطن آخر. وهناك ادعى أنه من بني وهاشم وربما أتى بوثيقة نسب تثبت ادعاءه. ومات الرجل ومات سره معه. فبعد مرور مئات السنين صار لأحفاده شهرة بأنهم هاشميون. ولو قدر لأحد أحفاد المدعي أن يقوم بفحص الحامض النووي، سوف تظهر النتائج غير متطابقة لنتائج الهاشميين الذين ينتمون إلى السلالةJ1، وبهذا سوف ينكشف عدم انتسابهم إلى الدوحة الهاشمية. في مثل هذه الحال هل يشهر بهم؟ في رأيي ينبغي ألا يُشهر بهم لما يترتب على ذلك من مفسدة اجتماعية.

 

[1]  - Quraysh & Banu - Hashem. https: //www. familytreedna. com/public/Qurayishj1c3d/default. aspx?section=yresults. تم الاطلاع عليه في 27/2/2017م.

[2]  - السادة ”بنو هاشم“. https: //www. familytreedna. com/public/IraqiSada?iframe=yresults. تم الاطلاع عليه في 27/2/2017م.

[3]  - شرق الجزيرة العربية. https: //www. familytreedna. com/public/EasternCoast?iframe=yresults. تم الاطلاع عليه في 27/2/2017م.

[4]  - الشريف المرتضى، علي بن الحسين. رسائل الشريف المرتضى، ج4، ص 327 - 328. تحقيق: السيد أحمد الحسيني. الناشر: دار القرآن الكريم: قم.

[5]  - البحراني، الشيخ يوسف. الحدائق النظرة في أحكام العترة الطاهرة. ج12، ص 396. دار الأضواء: بيروت لبنان.

أشكر الأستاذ هاني العيد على تزويدي بهاذين المصدرين أعلاه.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالله محمد
[ صفوى ]: 12 / 3 / 2017م - 6:13 م
آن للمجتمع ان نتجاوز هذه المواضيع التي يشم منها رائحة الفوقية.