آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 12:04 م

جدلية الدين والعلم في جزئها الثاني

مؤيد علي البراهيم

استكمالاً لتضمين النقاط التي تم رصدها على المناظرة القائمة تحت مسمى - جدلية الدين والعلم - بين سماحة الشيخ أحمد سلمان، والدكتور محمد الهويدي، بعد أن تم التعقيب ببضع نقاط على القسم الأول منها، سوف نورد بعض النقاط الأخرى لكي تكون الحلقة قد اكتملت بجزئيها.

وقبل البدء في تعدادها يجب التنويه على نقطة أحسبها مفصلية في البيّن، أن طبيعة الأسئلة المطروحة من قبل الأشخاص المتواجدون تعطي انطباعاً عاماً عن مدى هضم الحوار القائم أو عكسه، بل وتكشف طبيعة التصورات الموجودة في الذهن عن مجموعة المفاهيم التي تم تداولها في الحوار وإن كانت ذات مداليل مختلفة ولكنها تحمل طابع الإشتراكات اللفظية، وهذا بدوره قد يدقُ اسفيناً وحاجزًا بين ما قِيل وما فَهِمَهُ المتلقي، لذا اصطبغت جملة من الأسئلة بهذا الطابع، وإن كان الأجدى من المستمع هو عملية استجلاء المفاهيم من طرفيَّ الحوار وأن يكون خالي الذهن من مسبقاته لكي لا يوجد اختلاقاً لإشكال ما ويبدأ بالسيل الجارف من الأسئلة التي لا موطن لها ولا محل.

في الإطار العام، لن أتوقف طويل على طريقة طرح الأسئلة والتي حاول البعض أن يكون مُربِكاً أكثر من كونه مستفهماً، وللمستمع حق الحكم على ذلك من خلال متابعته وموضوعيته.

- كان طابع السؤال الأول يفترض حالة تمايز وتغاير بين الوحي والعلم، غير أن المسألة لم تكن صحيحة في تقابلها بين الاثنين، إذ الحديث عن الطريقة والنتيجة فهذا شيء وذاك شيءٌ آخر، فالعلم هو نتيجة ولكن الآلية التي يتحقق بها العلم مختلفة، فبينما يكون طريق الوصول إلى العلم هو الوحي مثلاً أو التجربة أو العقل وما غير ذلك فلا توجد حالة تضاد بين آلية الوصول وبين العلم «الذي هو أعم من التجربه».

- العقل وحدوده: ادعى الدكتور أن العقل غير محدود لماذا؟ لأن الله جعل الإنسان خليفة له في الأرض، وأن الله غير محدود فكيف يكون العقل محدودًا وكان ذلك في معرض التعقيب على الشيخ حينما قال بمحدودية العقل.

  •   وهنا نقول بأن الإنسان بمجمله قابع في القصور والمحدودية، والعقل جزء من تركيبة الإنسان فلا يمكن له أن يختلف أو يتخلف عن الإطار العام الذي يحكم الإنسان بمحدوديته وقصوره. كما أن العقل هو من يقر حدوده فلا يستطيع البت في بعض القضايا الذي لا يمكن أن يطالها.
  • لذا كان سماحة الشيخ يريد لفت النظر من خلال سؤاله هل يمكن لنا إثبات عالم الملائكة بالعقل؟ إلى حدود ووظائف العقل، وأنه قادر على التعاطي مع الكليات ولا يستطيع العقل دَرك الجزئيات أبداً، فالسؤال المطروح هو جزئي وليس كلي، ومن هنا نعرف حدود العقل وعدم قدرته على الإحاطة بالقضايا الجزئية بل أنها ليست من اشتغالاته.
  •   وفي الجانب الآخر، من أين تكشف لنا أن استخلاف الله للإنسان يعني عدم محدودية عقل الإنسان؟ وهل أن الاستخلاف يُختزل في حدود محاكاة عقل الإنسان؟! أليس الإنسان ذا أبعاد متعددة يحتاج في الاستخلاف إلى تطويع كل جوانب وجوده وأن يغدو في حالة سيرورة مستمرة تأهله لأن يكون في ذاك المقام الذي شرفه الله به، بعد أن كلفه؟!
  •  وقوله أيضاً، كون الله غير محدود، فإن العقل غير محدود، هذه إيجاد حالة من «المسانخة» الغير مبررة، فالله سبحانه وتعالى يتسم بصفات أخرى فهل يمكن لنا أن نثبتها ونقرها للإنسان؟ من الصفات الثبوتية لله - الحياة - هل نقول بهذا في حق الإنسان، بما أن الله هكذا وهو الذي استخلف الإنسان، فإن الإنسان يحمل هذه الصفة أيضاً! هذا ما لا يمكن القبول ولا الإقرار به.

- ذكر الدكتور في مقام الإجابة والتعليل بسبب قبوله بتسالم العلماء دون تسالم رجال الدين، بأن التجريبي لا يقول لك أنه يدخلك الجنة أو يخرجك منها، كما نسب ذلك القول للأفراد أو المؤسسة الدينية!

  •  وهنا نقول: إن واحدة من أهم المرتكزات في إيجاد عملية المقارنة، وجود «وحدة موضوع» بينهم، بمعنى أنه لا بد أن تكون المقارنة بين أمرين متولدين من رحم واحد ليتسما بحالة التقابل ومن ثمة أستطيع أن أوجد الفوارق ونقاط الإلتقاء والإفتراق، وهذا ما لا يتحقق بين العلم التجريبي والفكر الديني أو المؤسسة الدينية، إذ أن كلاً منهما يحمل سماته الخاصة به وعلى ضوء ذلك فإن الأهداف والغايات تكون متغايرة، فلا نستطيع القول بأن المؤسسة الدينية ما الذي قدمته للإنسانية من إنجازات تكنولوجية مثلاً، إذ أن ذلك ليس من وظيفتها أصلاً. ومن هنا نعرف أن قول الدكتور في غير مكانه.
  • وأما القول هذا صادر من الأفراد، فكيف يمكن لنا أن نشكل على المؤسسة بما يدور في أروقة الأفراد فمقتضى الموضوعية، أن يتم الوقوف على حقيقة النظرية والإحاطة بها من الحاضنة العلمية ومن ثمة يتسنى لك أن تعمل معولك في الهدم والإشكال بطريقة علمية أيضاً.
  •   وإن سلمنا معك جدلاً أن ذلك القول من المؤسسة الدينية، علماً أنك لم تأتي ببرهنة على ذلك وأنت ابن البرهان والدليل، فذلك الأمر كان قائماً على مجموعة من الأدلة التي تفضي إلى مجموعة من الضوابط التي يجب أن يلتزم بها الإنسان وفي حال عدم الإلتزام بها يكون في معرض الخطر، فما الضيرُ في ذلك؟! وهنا ينبغي أن يتحول النقاش في دلالة الدليل وصوابيته، لا في النتائج المترتبة عليه.
  •   وإن تم الادعاء والقول في أن الأدلة هي ظنية، نقول هل أن مطلق الأدلة هي ظنية؟ وهل الظني بمجمله لا يمكن أن يصل إلى مرحلة الاعتبار به؟
  •   وعلى ضوء ذلك أن العلوم التجريبية في جملةً منها تبتني على الأمور الظنية وإن أطلق عليها بأنها يقينيات، فلمَ يتم القبول بها؟ وكيف يتم تفسير حالة «التناسخ العلمي» التي تحدث بين الفينة والأخرى بحيث أن تأتي نظرية جديدة وتلغي النظرية التي قبلها علماً أن تلك السابقة تم الجزم بها وإيصالها إلى مرحلة اليقين في حينها؟!