آخر تحديث: 25 / 6 / 2021م - 12:08 م

قراءة في سيرة المهندس مهدي الرمضان

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى.

عندما تقرأ سيرة المهندس الحاج مهدي بن ياسين بن عبد الله الرمضان رحمه الله تعالى التي أدلى بها هو نفسه للصديق العزيز والباحث الأستاذ سلمان بن حسين الحجي في مقابلة معه. وقد دونها الأستاذ الحجي في كتابه ”قصص الناجحين“ [1] . حين تقرأها تنبهر مما اشتملت عليه من محطات مشرقة في حياته المعطاءة، ينبغي التوقف عندها لاستلهام الدروس والعبر منها. تعتبر كل محطة من حياته هي مدرسة بحد ذاتها، حري بنا أن نترجمها إلى منهج يكون نبراسًا في حياتنا.

المهندس مهدي من مواليد 1365 هـ ، ولد ونشأ وترعرع في البحرين. وتوفي في يوم الجمعة 28 ذي القعدة 1439 هـ ، الموافق 10 أغسطس 2018م.

سوف أتكلم عن عدة محطات من حياته رحمه الله، وهي: 1» البحرين ووالده لهما الأثر الكبير في تبلور شخصيته المنفتحة على العالم؛ 2» عشقه للقراءة شكل شخصيته الفكرية والثقافية؛ 3» المنهج التربوي الذي انتهجه في حياته العلمية والعملية والاجتماعية والأسرية؛ 4» استثمار العلم والبحث العلمي في المشاريع الاستثمارية.

المحطة الأولى: البحرين ووالده لهما الأثر الكبير في تبلور شخصيته المنفتحة على العالم:

لا شك أن الوالد يلعب دورًا كبيرًا في تشكيل شخصية أبنائه وفقا لرؤويته وفلسفته في الحياة. ويكون تأثيره إيجابيًا إذا تناغم الأبناء مع مبادئه وتوجهاته. وهنا يصف المهندس مهدي فكر أبيه وسلوكه في التربية: ”لم يكن والدي رحمه الله متعسفًا أو صارمًا في تربيتنا، بل كانت للحرية مساحة واسعة في فكره وفي سلوكه معنا، الأمر الذي سمح لي ولإخواني أن تكون لنا خياراتنا اليومية ضمن حدود الأدب وسلامة السلوك“ [2] . وهذا السلوك التربوي الأبوي انعكس على حياة المهندس الرمضان سلوكًا ومنهجًا في حياته الشخصية وفي سلوكه مع أبنائه وإخوته، وفي حياته العملية والاجتماعية.

ومن جهة أخرى ولادته في البحرين ونشأته وترعرعه فيها أعطاه الفرصة أن يتعلم في ظل نظام تعليمي متطور بمقاييس خمسينيات القرن المنصرم، حيث تدرس اللغة الإنجليزية من الصفوف الابتدائية الأولى. أضف إلى ذلك أن النظام الإداري الإنجليزي الحازم يسير الحياة اليومية بانضباط وعدالة.

وتميزت البحرين بوجود ثقافات متعددة منطلقة من تنوع عرقي وديني ومذهبي. وجميع هذه الفئات تعيش في مناخ يسوده السلم الأهلي وفقا لمفهوم المواطنة والتعايش المشترك.

وكان والده رحمه الله منفتحًا على المجتمع البحراني بجميع أطيافه، لديه صداقات قوية مع المسلمين شيعة وسنة، ومع غير المسلمين كاليهود والمسيحيين والبانيان وغيرهم. لم يكن لديه تحسس أو انعزالية تجاه المختلف في البحرين أو الأحساء. فتبلورت شخصية ذلك الشاب اليافع في ذلك الجو من الانفتاح على العالم، لذا يقول المهندس الرمضان: ”وسط هذه البحبوحة الحضارية من العيش بدأت مرحلة حياتي المبكرة“ [3] .

المحطة الثانية: عشقه للقراءة شكل شخصيته الفكرية والثقافية:

لدى المهندس مهدي فلسفة خاصة للتحصيل العلمي في المرحلة الجامعية، حيث يرى أن الدراسة الجامعية ليست فقط للتأسيس من أجل المهنة أو الوظيفة التي سوف ينخرط فيها الطالب الجامعي بعد تخرجه، وإنما هي أيضا لصياغة شخصية الطالب ولرسم مسيرة حياته على جميع الأصعدة. لذا كانت وصيته لأبنائه بشكل خاص ولطلاب الجامعات بشكل عام أن يوازنوا في التحصيل الجامعي بين التفوق وبناء الشخصية، حتى لا يخسر الطالب حياته بسبب تلهفه على تحقيق تفوقه فقط.

وقد تنبه المهندس الرمضان لهذه الفلسفة منذ بدايات دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت. فكان متفوقًا في دراسته الأكاديمية من جهة، ومن جهة أخرى بنى شخصيته الفكرية والثقافية من خلال قراءة الكتب والجرائد والمجلات والاحتكاك بأساتذة وطلاب من جنسيات مختلفة للتعرف على الثقافات الأخرى السائدة داخل الحرم الجامعي.

ولاهتمامه بالقراءة، انخرط المهندس مهدي في منتدى القراء مع مجموعة من المثقفين والأكاديميين. ومن يستمع إلى حديث المهندس مهدي، ذلك المهندس الزراعي، يستشف في ثنايا حديثه أنه قارئ نهم في كثير من حقول المعرفة لاتساع اطلاعه وعمق معلوماته.

يقول الدكتور السيد هاشم الصالح العبد المحسن واصفًا المهندس مهدي: ”عندما عرفته عرفت معنى المحبة والإنسانية. وعندما عانقته لأول مرة وهو يستقبلنا في مزرعته في أول لقاء لي مع منتدى القراء، قلت مع نفسي يا الله يكفينا من المنتدى هذا الإنسان. أجلسني إلى جنبه وصرت منشغلا به وفرحًا بهذا اللقاء معه. مرة أنظر إليه، ومرة أخرى أستمع إليه. أحسست أني أنجذب إليه بقوة. كان يتكلم بلسان حكيم، وكان يستمع إلينا بأذن واعية، وكان يحاورنا بقلب سليم وخلق رفيع“ [4] .

وقال المهندس محمد الشافعي، صديق المهندس مهدي: ”كان فقيدنا واسع الاطلاع. تجذبه القراءة في مجالات متباينة. يأسرك وهو يتنقل في الحديث في الفلسفة والفيزياء وعلم النفس والأعصاب. وكان رشيقًا في تقبله للأفكار الجديدة. حتى أكثرها جدلاً والمتعلقة بالإصلاح الديني“ [5] .

وقال الدكتور علي الحمد مخاطبًا المهندس مهدي عندما زاره في المستشفى: ”قد تركتَ يا أبا ياسين أثرًا كبيرًا في نفسي، فكانت تجربتي الفكرية معك في منتدى القرّاء وقبلها في إدارة منتدى الرأي الآخر، ثريّة وغنيّة بكل المقاييس، فقد استطعتَ احتضان الجميع بكل حب رغم كل اختلافاتهم الشخصية والفكرية، وكنتَ قدوة لي في اهتمامك بالعلم والفكر وشغفك بالكتابة رغم كل انشغالاتك ومسؤولياتك، وكان نجاحك التجاري وعطاؤك الخيري والاجتماعي ملهمًا لي، بل ولم تبخل حتى بمشاركة الدروس التي استدفتَها من تجربة مرضك. أنت مدرسة يا أبا ياسين وأنا أدين لك بالكثير مما تعلمتُه“. فرد المهندس قائلا: ”يُسعدني جدًا أنني تركت أثرًا طيّبًا في من حولي ويكفيني من هذه الدنيا نجاح أبنائي وفخري بهم“ [6] .

المحطة الثالثة: المنهج التربوي الذي انتهجه في حياته العلمية والعملية والاجتماعية والأسرية:

اتسم منهج المهندس مهدي التربوي بالعمل الجاد المبنى على أسس علمية متينة. وقبل أن يبدأ أي مشروع، سواء تجاريًا أو فكريًا أو اجتماعيًا أو غيرها، كان يدرس المشروع دراسة مستفيضة من جميع جوانبه، ثم يرسم الخطط الاستراتيجية والتكتيكية لتنفيذه، ومن ثم يشرف على تنفيذ المشروع وفقا لمعايير الجودة العالمية. وتجد هذا المنهج التربوي في دراسته، وفي عمله الوظيفي الحكومي، وفي مشاريعه التجارية والزراعية، وفي مشاريعه الاجتماعية والأسرية. لذلك نجح نجاحًا باهرًا في كثير من المشاريع التي أسسها أو شارك في تأسيسها أو انظم إليها كعضو في مجالسها الإدارية.

ومن إنجازاته في حياته المشرقة ما يلي:

- تأسيس شركة الياسين الزراعية.

- المشاركة في تأسيس مجلس عشيرة الرمضان.

- عضو مجلس إدارة جمعية البر بالأحساء.

- أحد مؤسسي غرفة التجارة في الأحساء والعضو الأصغر في دورتها الأولى.

- عضو في مجلس الغرفة التجارية في المنطقة الشرقية.

- عضو في مجلس إدارة شركة الشرقية للتنمية الزراعية.

- عضو مجلس إدارة صندوق التنمية الزراعية.

- رئاسة فريق لإعداد دراسة مستفيضة لصالح صندوق التنمية الزراعية لتحسين تسويق الخضار والفواكه في المملكة.

- عضو مجلس مديري شركة الأحساء للصناعات الغذائية - مصنع التمور.

- رئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية لتسويق البيض والدجاج اللاحم بالأحساء.

- عضو اللجنة الوطنية الزراعية.

- عضو في صندوق الزواج الخيري بالأحساء.

- عضو لجنة الإشراف المحلية على انتخابات المجلس البلدي بالأحساء.

قال المهندس الرمضان متحدثا عن نفسه للباحث سلمان الحجي، بعد أن سرد إنجازاته على المستوى الشخصى والعملي والاجتماعي: ”لم أغفل عن متطلبات العائلة الصغيرة فعلاقتي الأسرية مرضية وساهمت زوجتي بدور فاعل في تربية أبنائي. خرّجنا للمجتمع بحمد الله ثلاث بنات جامعيات، إحداهن حصلت على الدكتوراه في اللغة الانجليزية، وأبناءً أحدهم الدكتور محمد طبيب جراح، وأحمد مهندس كهربائي يعمل لدى شركة أرامكو. لم يأخذ أي من أبنائي مهنتي في الزراعة أو التجارة، فقد تركتُ لهم الخيار كما أتاح لي والدي الخيار. في النهاية، أظن أنني بفضل الله حققت تجربة حياة ثرية وسعيت أن أجيد وأتقن كل عمل أقوم به، وأكون منصفًا مع من أتعامل معهم، فحققت نجاحات ربما ليست باهرة ولكنها متعددة على المستوى المالي والأسري والاجتماعي. وتمتعتُ بصداقات كثيرة ومتينة مع العديد من الأصحاب من كل الأطياف بدون حساسية. ولدي اهتمامات بالشأن العام ورغبة للمعرفة في العديد من المجالات الثقافية“ [7] .

يقول المهندس الشافعي: ”كان فقيدنا مبادرًا لصناعة التغيير، مبدعًا في خلق المبادرات. لا أنسى مبادرته في تمويل برنامج لتطوير رياضيين يمثلون نواة لزرع ثقافة رياضية في المجتمع تهتم بالصحة ونمط الحياة الصحي. ولا أنسى مبادرته بتمويل برامج تدعم مكتبة الطفل وأنشطة تحفز على انخراط الأطفال في برامج تثقيفية“ [8] .

المحطة الرابعة: استثمار العلم والبحث العلمي في المشاريع الاستثمارية:

من أبجديات التخطيط المالي والاستثماري الأمثل في العلم الحديث هو عدم وضع البيض في سلة واحدة، كما يقال. لذلك على المستثمر الواعي أن ينوع في استثماراته ونشاطاته التجارية. وهذا ما قام به المهندس مهدي من تنويع في نشاطاته الزراعية والتجارية. وما زاد من نجاحاته الزراعية والتجارية هو استثمار العلم البحث العلمي في تطوير مشاريعه الزراعية والتجارية. وهذا يدل على وعي متقدم بأهمية البحث العلمي في التطوير والرقي. حيث بدأ البحث العلمي منذ أن التحق بالوظيفة الحكومية في وزارة الزراعة كباحث زراعي، وكان له بصمات ملموسة في تحسين الإنتاج الحيواني وتحسين البذور. وواصل البحث العلمي أيضا في مشاريعه الزراعية الخاصة.

ختامًا، نستلهم من سيرة المهندس مهدي الرمضان، أن العطاء لا يقف عند حد، وأن التطوير والتغيير سمة من سمات النجاح، وأن المبادرات الاجتماعية ترتقي بالمجتمع وتنهض به. رحم الله المهندس المثقف الواعي ورجل الأعمال الناجح الحاج مهدي بن ياسين الرمضان رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته مع محمد وآله الأخيار، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

[1]  الحجي، سلمن حسين. قصص الناجحين. مخطوط.

[2]  الحجي، سلمن حسين. قصص الناجحين. مخطوط.

[3]  الحجي، سلمن حسين. قصص الناجحين. مخطوط.

[4]  الصالح العبد المحسن، السيد هاشم. حتى الحزن يبكي عليك. https: //m. facebook. com/story. php?story_fbid=10217532191515475&id=1197547809&_rdr. تم الاطلاع عليه في 20/8/2018م.

[5]  الشافعي، محمد. عن الصديق الإنسان مهدي الرمضان الذي غيبه الموت. https: //m. facebook. com/story. php?story_fbid=10155406329082364&id=680637363. تم الاطلاع عليه في 19/8/2018م.

[6]  الحمد، علي محمد. أم ياسين. https: //m. facebook. com/story. php?story_fbid=10215684829701306&id=1459201549&_rdr. تم الاطلاع عليه في 19/8/2018م.

[7]  الحجي، سلمن حسين. قصص الناجحين. مخطوط.

[8]  الشافعي، محمد. عن الصديق الإنسان مهدي الرمضان الذي غيبه الموت. https: //m. facebook. com/story. php?story_fbid=10155406329082364&id=680637363. تم الاطلاع عليه في 19/8/2018م.