آخر تحديث: 10 / 5 / 2021م - 7:34 ص

عام الفيل

محمد أحمد التاروتي *

شكل عام الفيل مرحلة مفصلية في تاريخ البشرية، فهذه السنة شهدت حدثين كبيرين ما تزال ارهاصاتهما ماثلة حتى اللحظة الراهنة، وهما هزيمة جيش ”ابرهة“ بعد هجومه على الكعبة المشرفة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ «*» أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ «*» وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ «*» تَرْمِيهِمْ بِحجَارَةٍ مِنْ سِجِّيل والثاني ولادة سيد الأنبياء ﷺ ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ، وبالتالي فان الربط بين الحدثين يعطي دلالة قوية على وجود إرادة الهية بولادة جديدة للإنسانية، لاسيما وان الحدث الذي بقى عالقا في سجلات التاريخ، باعتباره مرحلة غير اعتيادية لم يشهد تاريخ البشرية مثيلا له على الاطلاق، مما يعني، ان تزامن ولادة المصطفى ﷺ مع تلك الحادثة يعطي إشارات واضحة على وجود ارتباط ان مستقبل البشرية يسير نحو منعطف كبير، لاسيما وان سيد الرسل ﷺ يمثل الخير كله، مما يجعله امل الأمم في انتشالها من مستنقع الضياع، والكفر والضلال، الى شاطئ الأمان والخير والنجاة في جميع الأصعدة.

الحوادث المرتبطة بولادة الرسول الأعظم ﷺ سواء كانت من تساقط الاَصنام في الكعبة على وجوهها، وخرج نورٌ معه أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، وانكسار إيوان كسرى، وسقوط أربعة عشر شرفة منه، وانخماد نار فارس التي كانت تعبد، وجفاف بحيرة ساوة، هذه الحوادث ليست إشارات اعتيادية، فهي دلالة على التطورات القادمة لهذه الولادة الميمونة، لاسيما وان هذه الحوادث تشير الى نور الإسلام سيضيء في الامبراطوريات السائدة في تلك الفترة، فضلا عن تلاشى عبادة الاصنام من الجزيرة العربية، مما يدخل الإنسانية في مرحلة مغايرة تماما، شعارها الخير والصلاح، والقضاء على الشر والظلم، والممارسات غير الإنسانية المنتشرة في تلك الحقب السالفة.

عام الفيل ولادة جديدة للبشرية، ومرحلة مختلفة تماما بانتظار الإنسانية، لاسيما وان انتشار الظلم واندثار القيم الإنسانية، وتلاشي المفاهيم الأخلاقية، فضلا عن انحراف البشرية عن الجادة الصحيحة، تستدعي وجود شخصية استثنائية لاحداث انقلاب حقيقي في المفاهيم السائدة، من خلال تكريس المبادئ الإنسانية، والتركيز على القيم الأخلاقية، بهدف احياء الفطرة السليمة وإزالة الشوائب المتراكمة على القلوب، ”انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق“ و﴿انك على خلق عظيم، وبالتالي فان عام الفيل شكل بداية حقيقية لرسم خارطة الطريق للبشرية، لاحياء المفاهيم الإنسانية، والحد من ممارسات ظلم الانسان لاخيه، سواء على أسس عرقية او قبائلية، او غيرها من الاعتبارات الأخرى.

ارهاصات عام الفيل بدأت تتكشف بشكل ملموس لدى الجميع، فالانتصار الإلهي على جيش ”ابرهة“ مقدمة لحدث اكبر، واكثر أهمية، فتزامن ولادة سيد البشر ﷺ يعطي انطباعات كثيرة على الخير العميم القادم للإنسانية، لاسيما وان الرسول ﷺ سيغير المفاهيم السائدة والقائمة على التفاخر، وكذلك تكريس مبادئ القوي على القيم الإنسانية المشتركة بين البشر، ”لا فرق لعربي على اعجمي الا بالتقوى“، وبالتالي فان حادثة عام الفيل التي بقيت عالقة في ذهن قريش، جاءت ولادة الرسول الأعظم ﷺ لتكرسها في سجلات التاريخ الى يوم القيامة، بالإضافة الى حفظها في سورة كاملة في القرآن الكريم.

سلاح القوة المادية ليس حاسما في تحقيق الانتصار، فهناك عناصر اكثر قوة قادرة على التدخل في الأوقات الحرجة، لقلب الموازين والحاق الهزيمة الساحقة، حيث تعطي حادثة عام الفيل دلالة على وجود إرادة حاسمة في جعل القوة هباء منتثورا، وبالتالي فان محاولة استعراض القوة، ومحاولة فرض السيطرة على الاخرين، يكشف ضيق الافق، فحادثة عام الفيل تعطي دروسا في إمكانية انقلاب الاحداث بشكل دراماتيكي، عبر التدخل الإلهي في نصرة الحق، بمعنى اخر، فان ارتباط ولادة المصطفى ﷺ مع الحدث الساخن الذي شهدته مكة المكرمة، يوحي بإرادة الهية قاهرة لاحداث تحولات، وانقلابات قادمة، ستعيد موازين القوى وترسم ملامح المرحلة القادمة، لاسيما المبادئ الإلهية ستكون الحاكمة في الممارسات الحياتية، مما يعيد منظومة القيم بشكل جذري، بحيث تعود على العلاقات الإنسانية بالخير دنيويا واخرويا.

كاتب صحفي