آخر تحديث: 18 / 5 / 2021م - 10:13 م

عمليات التشويه

محمد أحمد التاروتي *

تنطلق عملية التشويه من مخاوف بعضها حقيقية، وأخرى زائفة، مما يدفع لانتهاج طرق مختلفة للتلاعب في الحقائق، ومحاولة استبدالها باخرى مزيفة او منقوصة، بغرض حجبها من الوصول لاكبر قاعدة اجتماعية، انطلاقا من سياسة ”دس السم في العسل“، لاسيما وان الحقيقة الناصعة تهدد اركان بعض الفئات، مما يزلزل الارض من تحت اقدامها، الامر الذي يمهد الطريق لفقدان جزء من النفوذ الاجتماعي، وأحيانا اجبارها على الانسحاب بشكل كامل، نظرا لانكشاف الكثير من المعلومات، وانقشاع الغيمة عن انظار القاعدة الشعبية.

عملية التشويه تمارس بطرق مختلفة، فهناك العديد من الأطراف القادرة على بث المعلومات المشوهة، نظرا لامتلاكها الأدوات اللازمة للقيام بهذا الدور الخطير، سواء نتيجة تلاقي المصالح مع الأطراف النافذة، او نتيجة الاغراءات المقدمة، وأحيانا بسبب الطموحات الشخصية، مما يدفع للتحالف بغرض احداث تحولات في العقل الجمعي الاجتماعي، لاسيما وان نشر الحقائق يعطي نتائج سلبية على بعض الأطراف النافذة، مما يدفعها للبحث عن عناصر، لتشكيل فريق للعمل على ادخال المعلومات ”المسمومة“، للتشكيك في مصداقية الكثير من الحقائق، خصوصا وان عملية التشويه تستدعي التدرج في بث المعلومات الخاطئة.

القدرة على تشويه الاحداث مرهونة بوجود فريق احترافي وقادر، على التلاعب بالالفاظ أولا، والسيطرة على البيئة الاجتماعية ثانيا، خصوصا وان لعبة التشويه سلاح ذو حدين، فاما تسير وفق الخطة المرسومة، وتجدها طريقها للنجاح، او تواجه بجدار الوعي الاجتماعي الصلب، مما يفقد الخطة المنشودة مفعولها على الأرض، وبالتالي فان العملية ليست مضمونة النتائج على الاطلاق، فهناك العديد من التجارب باءت بالفشل، نظرا لامتلاك الأطراف المستهدفة ”المناعة“، في الوقوف امام زيف الأكاذيب، مما يدفع لمحاولة تصحيح الكثير من المفاهيم الكاذبة، الامر الذي يقود لرفع الحجب عن عيون البيئة الاجتماعية.

الدخول في لعبة تشويه الحقائق تتطلب دراسة البيئة الاجتماعية، لاسيما وان الاصطدام المباشر يقود الى نتائج سلبية، الامر الذي يفقد الخطط المرسومة مفعولها، وبالتالي الفشل في الحصول على المكاسب المرجوة، بمعنى اخر، فان المنهجية المتدرجة تشكل الخيار الأفضل على المدى البعيد، لاسيما وان الأجيال المعاصرة للحقائق ستختفي، مما يجعل مقاومة عمليات التشويه ستكون ضعيفة، جراء اختلاف الأجيال وفقدان المعلومات الصحيحة، الامر الذي يسهم في السيطرة على الأجيال القادمة.

استخدام اللغة المناسبة عنصر فاعل في التلاعب في العقول، فاللغة الناعمة اكثر قدرة على استمالة البيئة الاجتماعية، باعتبارها وسيلة للدخول دون مقاومة، في اللاوعي لدى العديد من الفئات الاجتماعية، بخلاف اللغة ”الخشنة“ التي تواجه بالرفض، والنفور في الغالب، وبالتالي فان محاولة التقرب للبيئة الاجتماعية باللغة ”الناعمة“، ممارسة مألوفة لدى الجهات الراغبة في قلب الحقائق، فالشرائح الاجتماعية اكثر تقبلا لهذه النوعية من الخطاب، مما يفسر استخدام بعض المفردات الجميلة في الخطاب، بهدف استمالة اكبر شريحة اجتماعية، والابتعاد عن الخطاب الخشن والمباشر، وبالتالي فان النجاح في استخدام اللغة الناعمة، يشكل مدخلا أساسيا في الاستحواذ على القلوب، مما يمهد الطريق للتلاعب في العقول بدون مقاومة، من خلال تشويه الكثير من الاحداث، وإخفاء الجانب الكثير من الحقائق.

الخشية انكشاف المستور، والعمل على إبقاء الجهل، في البيئة الاجتماعية، عناصر أساسية في الإصرار على تشويه الاحداث، لاسيما وان إزالة الحجب عن العيون يضع بعض الفئات النافذة في موضع حرج للغاية، بحيث يقود الى المواجهة المباشرة مع بعض الشرائح الاجتماعية، الامر الذي يمهد الطريق امام حركة معاكسة، خصوصا وان الضغوط الاجتماعية تلعب دورا كبيرا، في احداث انقلاب حقيقي في الوعي الاجتماعي، مما يجعل عملية إخفاء الحقائق صعبة للغاية، نظرا لوجود عناصر قادرة على احداث تحولات كبرى في البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان تكريس الجهل ”الاجتماعي“ ورقة رابحة في استمرارية تشويه الحقائق، فيما ستكون الأمور اكثر صعوبة، بمجرد انتهاء مفعول التنويم المغناطيسي، الممارس تجاه البيئة الاجتماعية.

كاتب صحفي