آخر تحديث: 10 / 5 / 2021م - 7:34 ص

محركات التفاعل

محمد أحمد التاروتي *

الحرص على بناء الذات والنظرة المستقبلية، محركات أساسية للتفاعل الإيجابي مع الحياة، فالمرء الذي يتحرك باتجاه ”التغيير“، يبحث عن الأدوات والعناصر المساعدة، لتكريس حضوره في البيئة الاجتماعية، لاسيما وان عملية الحضور ليست سهلة بقدر ما تتطلب الكثير من العمل، والمزيد من التعب، ”وما نيل المطالب بالتمني***ولكن تؤخذ الدنيا غلابا“، وبالتالي فان محاولة اختراق الحواجز المادية والمعنوية للارتقاء بالذات، تستدعي البحث عن الممكنات، والعمل على تطويعها بطريقة ذكية، من اجل تعظيم الذات، والحصول على المجد الشخصي، والتقدير الاجتماعي.

عملية بناء الذات تستدعي استخدام اللغة العصرية، والاستعانة بالعناصر المتاحة، لاسيما وان استدعاء الخطاب القديم ليس قادرا على مجاراة إيقاع العصر، مما يعرقل عملية الوصول الى الأهداف الذاتية، الامر الذي يسهم في تشتيت الجهود، وإضاعة الوقت، لاسيما وان اللغة المعاصرة تحدث تفاعلا ”كيميائيا“ مع البيئة الاجتماعية، مما يعزز التفاعل السريع ويختصر الكثير من المسافات الفاصلة، فيما يتعلق بالتعاطي المشترك، وبالتالي فان العمل على فهم اللغة العصرية يكشف القدرة على اكتشاف احدى الأدوات الأساسية، في عملية صقل الذات بطريقة منهجية، وقادرة على توظيف التطلعات بشكل ذكي للغاية.

الاستعانة بالعناصر المتاحة يساعد في حركة التحرك، والحصول على مساحة واسعة، من التفاعل مع البيئة الاجتماعية، لاسيما وان الوصول الى العناصر المتاحة خطوة أساسية، في عملية الارتقاء المادي والمعنوي في الوسط الاجتماعي، خصوصا وان الممكنات اللازمة تختلف باختلاف القدرات الذاتية، مما يجعل عملية استنساخ العناصر ليست ناجحة، وتعكس نوعا من جهد العاجز في البحث الحثيث، عن الأدوات الملائمة للتحرك السليم، وسط تضارب المصالح، لدى الكثير من الفئات الاجتماعية، وبالتالي فان العناصر المتاحة ليست وصفة جاهزة يسهل الحصول عليها، وانما بحاجة الى بعض الجهد والمزيد من البحث قبل اكتشافها، وسط كومة من الاتربة المانعة للرؤية.

التحرك المنهجي يساعد في عملية تسريع بناء الذات، وتحقيق ”الرضا الذاتي“، فالفوضى والعشوائية ليست قادرة على رسم معالم الطريق بشكل دقيق، نظرا لاعتماد اليات قائمة على ردات الفعل، والتحرك بطريقة انتقائية، وليست ثابتة، مما يجعل عملية الارتقاء بالذات مشوشة وغير مستقرة، بمعنى اخر، فان المنهجية تلعب دورا أساسيا في وضع خارطة طريق، للاستقرار الذاتي سواء على الصعيد الشخصي، او على الجانب الاجتماعي، لاسيما وان بناء الذات مقدمة أساسية للبروز في الاطار الاجتماعي، ”فاقد الشيء لا يعطيه“، فالمرء الخاوي او الفارغ غير قادر على العطاء، فضلا عن تشكيل كيان شخصي للتعامل مع متطلبات الحياة، في مختلف المجالات العملية، مما يستدعي التحرك بطريقة منطقية، وتفاعلية للتوفيق بين التطلعات الشخصية، والطموحات الاجتماعية، خصوصا وان المرء الإيجابي يحرص على التحرك بشكل متوازي، بين ”الانا“ الإيجابية والعطاء الاجتماعي الفاعل، مما يساعد في استمرارية البناء الاجتماعي الشامل.

البيئة الاجتماعية تلعب دورا محفزا في تسريع عملية البناء الذاتي، فهناك بيئات اجتماعية قادرة على الاحتضان الإيجابي، والعمل على فتح الطريق امام الافراد، للنهوض من تحت الركام، من خلال وضع الاقدام في المسار السليم، سواء عبر تحريك الجانب المضيء في نفوس الأشخاص، او محاولة تفجير الطاقات الكامنة، ومحاولة اكتشاف نقاط القوى، مما يساعد في تحطيم الحواجز المادية بالدرجة الأولى، الامر الذي يولد حالة من التفاعل الإيجابي بين الافراد والمجتمع، بهدف احداث اثر ملموس على الصعيد الخارجي، خصوصا وان عملية البناء الذاتي مرهونة أحيانا، بردود الأفعال الخارجية بالمحيط الاجتماعي، وبالتالي فان وجود قنوات مفتوحة للانطلاق بقوة في عملية بناء الافراد، يساعد في عملية الارتقاء الاجتماعي، نظرا لارتباط تلك التحولات الذاتية بعملية النهوض الاجتماعي، في شتى المجالات الحياتية.

محركات التفاعل تمثل احدى مفاتيح البناء الذاتي للافراد، فالمرء المنفتح يكون اكثر قدرة على قراءة الواقع بطريقة ذكية، وبأسلوب عصري، مما ينتج حالة من الانسجام الروحي مع البيئة الاجتماعية، بحيث تترجم على اشكال مختلفة من العطاء المادي والكرم المعنوي، انطلاقا من مبدأ ”رد الجميل“، فالانسان الذي يشعر بالانتماء للبيئة الاجتماعية، يحرص على تقديم المزيد من الجهد، لدعم استمرارية التقدم الاجتماعي.

كاتب صحفي