آخر تحديث: 10 / 5 / 2021م - 7:34 ص

صراع النفوذ

محمد أحمد التاروتي *

تفرض الاطماع الشخصية الدخول في صراعات مع الأطراف المنافسة، بهدف ازاحتها من الساحة والاستفراد بالقرار، انطلاقا من قناعات خاصة بصعوبة ”اقتسام الكعكة“ على اطراف متعددة، مما يستدعي التحرك الجاد للبحث عن الوسائل الكفيلة، بتوجيه ضربات قوية للمنافسين، لوضع خطوط فاصلة وإيصال رسائل متعددة، بضرورة البحث عن أماكن أخرى بعيدا عن الرقعة الجغرافية الحالية، نظرا لوجود طرف قوي قادر على انهاء الصراع بشكل سريع، الامر الذي يدفع الأطراف الأخرى لمحاولة ”المقاومة“، ورفض الاستسلام لمنطق ”الغلبة“، او الاستقواء الذي يمارسه احد الأطراف، تجاه المنافسين على الساحة.

اثارة العواطف واللعب على التناقضات في الساحة الاجتماعية، عوامل مساعدة في تأجيج صراع النفوذ، فالبعض يحاول التواري خلف بعض الشعارات العاطفية، لاستمالة بعض الشرائح الاجتماعية، والحصول على التفويض الرسمي لازاحة الأطراف المنافسة، مما يدفعه لمواصلة هذه اللعبة ”الخطيرة“ حتى النهاية، انطلاقا من المردود السريع الناجم عن الدخول في لعبة ”اثارة العواطف“، فيما البعض الاخر يحاول البحث عن التناقضات الاجتماعية، للحصول على التفويض الرسمي من فريق ضد اخر في الساحة الاجتماعية، فهذه التناقضات تختلف باختلاف طبيعة الصراع القائم، وكذلك تختلف تبعا للثقافة الاجتماعية، مما يستدعي محاولة الانتصار لاحد الأطراف، وتوجيه الاتهامات والادعاءات ضد الأطراف الأخرى، الامر الذي يسهم في احداث انقسامات عمودية في الجدار الاجتماعي، مما يسهم في توسيع قاعدة النفوذ الاجتماعي، وبالتالي إيجاد مواطئ قدم عديدة في البيئة الاجتماعية، بحيث يسهم في تقليص النفوذ لدى الأطراف المنافسة.

طبيعة الصراع تستدعي الاستعانة بالحلفاء، او البحث عن تحالفات جديدة، بهدف تشكيل جبهة قوية قادرة على الصمود، في وجه مختلف أنواع الضغوط، خصوصا وان تحقيق الانتصار يتطلب الكثير من الوسائل، والمزيد من الجهد، فالفوز بالكعكة الكاملة ليس مفروشا بالورود، وانما بحاجة الى تقديم بعض التنازلات، وأحيانا تحمل بعض المصاعب، نظرا لوجود اطراف أخرى تعمل على تعطيل الوصول الى النصر، والاستفراد بالساحة الاجتماعية، وبالتالي فان الصراع يفرض تعاملات وتحالفات عديدة، في سبيل إزاحة كافة الأطراف المنافسة، من الساحة الاجتماعية.

التحرك المدروس والابتعاد عن القرارات الانفعالية، والحرص على التوازن في التحالفات، عناصر أساسية لادارة دفة الصراع بالطريقة المثالية، لاسيما وان مفاجآت الصراع تدخل البعض في دوامة التحرك العشوائي، واصدار القرارات غير المدروسة، مما يوفر الفرصة امام الأطراف الأخرى، لاستغلال غياب التوازن، والعمل على الاستفادة منها بطريقة عكسية، بحيث تخلق الكثير من المشاكل، وتعطل الخطط المرسومة، في تحقيق الكثير من الغايات المنشودة، بمعنى اخر، فان صراع النفوذ يستدعي التحلي بالحكمة، والتأني في اتخاذ القرارات، والابتعاد عن ردود الأفعال السريعة، لاسيما وان الاستحواذ على الساحة بحاجة الى عناصر اكثر قدرة على مواجهة الصعاب، والثبات في المعركة، وعدم الاستسلام ورفع الراية البيضاء بمجرد نشوب المواجهة الأولى، فالعملية بحاجة الى الاستفادة من الدروس، ومحاولة البحث عن الحلول المناسبة، انطلاقا من طبيعة الغايات النهائية المرجوة، من اندلاع الصراع في البيئة الاجتماعية.

القدرة على إدارة الصراع بالشكل الاحترافي، عنصر فاعل في إزاحة الأطراف المنافسة من الساحة، فالعملية بحاجة الى فهم توجهات، وتفكير الأطراف الأخرى، بغرض اتخاذ الخطوات اللازمة، لتفادي الوقوع في الأخطاء، والحرص على توجيه الضربات القاصمة للمنافسين، وبالتالي فان التحرك الواعي يسهم في وضع الأمور في النصاب السليم، فيما التحركات الانفعالية تولد حالة من الإحباط، وعدم القدرة على الصمود في معركة ”النفوذ“، الامر الذي يخلق حالة من الاستسلام، والخروج من الصراع مهزوما، وترك الساحة للأطراف المنافسة.

صراع النفوذ يشكل احدى المحركات في المجتمعات البشرية، فالكثير من الخصومات والمنازعات مدفوعة، بمساعي خاصة للاستحواذ على الساحة، ورفض مبدأ ”الاقتناع بما قسم الله“، الامر الذي يحفز على الاعتداء، والعمل على انتزاع مساحات إضافية، انطلاقا من قناعات خاصة بضرورة ”فرض الذات“ على الاخرين، وعدم التنازل عن هذه القناعات من خلال توزيع مراكز النفوذ بين الجميع.

كاتب صحفي