آخر تحديث: 25 / 10 / 2021م - 1:39 ص

الفلسفة في المدرسة

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

لفت نظري في الأسبوع المنصرم تصريحات وزير التعليم في المملكة، حول اعتزام الوزارة إدراج الفلسفة والتفكير النقدي في التعليم العام.

وكان الدكتور حمد آل الشيخ يتحدث لمركز الحوار الوطني في «اليوم العالمي للتسامح». وقال الوزير إن الخطة تستهدف تعزيز الإيمان بحرية التفكير والتسامح ونبذ التعصب، وتمكين الطلاب من ممارسة التفكير النقدي والفلسفي في حياتهم.

بالنظر للظرف الثقافي في المملكة، فإن هذه خطوة واسعة جداً في اتجاه الحداثة، وهي تتلاءم تماماً مع تطلعات المجتمع السعودي، المعبر عنها في الجزء الخاص بالتعليم والثقافة من برنامج التحول الوطني.

لكن - للحق - فإنها دعوة لكافة المجتمعات العربية ومَن حولها من المسلمين. لقد كشفت تجربة العقدين الماضيين، أن معدلات التعصب والتشدد كانت عالية، وقد تراجعت ثقافة التسالم، وهيمنت على نواحي الحياة قيم المفاصلة والمنابذة، فتحولت مجتمعاتنا إلى بيئة خصبة للتطرف السياسي والديني، وبات العنف المنسوب إلى العرب والمسلمين، فقرة ثابتة في يوميات العالم.

لقد أجاد السيد الوزير، حين ربط بين حرية التعبير والتفكير النقدي من جهة، وبين التسامح ونبذ التعصب من جهة أخرى. دراسة الفلسفة والتدريب على التفكير النقدي، تعني - بالضرورة - التعامل مع خيارات ذهنية متعددة، أي تقبل التنوع والتعدد الثقافي. وهو في اعتقادي، السلاح الأقوى ضد التشدد والعنف، بل ضد كل نوع من أنواع الانغلاق والكراهية. كما أنها الباب الأوسع للتدريب على التواضع ونبذ الكبرياء الفارغة.

وإذا كان العلاج مشروطاً بوضع الأصبع على الجرح كما يقال، فلا بد من القول إن ثقافة العرب والمسلمين «بشكل عام ولا أعني التفاصيل الجانبية» لا تحفل بمبدأ التعدد الثقافي، ولا تقيم اعتباراً لتخالف الأفكار، بل تصنفه مثالاً على الجهل أو الافتتان. ينبغي القول أيضاً إن هذا ليس امتيازاً عربياً أو إسلامياً، فقد وسم تاريخ العالم كله، من أقصاه إلى أقصاه، بلا فرق بين أمة وأخرى. لكن الله أنعم على أوروبا في القرون الثلاثة الأخيرة بانحسار الوهم القائل بأحادية الحق، وانتشار مبدأ التنوع واحترام حرية الاعتقاد وحرية التعبير، وهو تطور قادهم إلى نهضة عظيمة، في العلوم والفنون والآداب، وفي كل جانب من جوانب الحياة.

أما عندنا فقد سارت الأمور في الاتجاه المعاكس. فقد واجهنا انفتاح الغرب بالانغلاق، وقابلنا نهضته بالهروب إلى التاريخ.

إني عالم بما يحويه النص الديني الإسلامي، من احترام للرأي وحث على التفكر، وربط للتكليف الديني بالحرية والاختيار. كما إني عالم أيضاً بجناية من حبس الدين والنص في قفص الفقه، وتركه ضيقاً حرجاً، مليئاً بالمحرمات والمحذورات.

ومن هنا فإني آمل أن تكون إضافة الفلسفة والتفكير النقدي إلى التعليم العام، إشارة تحذير إلى دارسي العلوم الشرعية، بل وعامة الناشطين في المجال الثقافي والتبليغ، تحذير من غروب الزمن الذي كان الناس يقبلون منهم كل قول يتضمن آية أو حديثاً نبوياً، أو قصة تنسب إلى أحد رجال السلف، أو حكاية تحكى بلغة دينية أو قريباً منها.

سيكون الجيل القادم أكثر إلحاحاً على الأساس العقلي للأحكام الشرعية، وأقل اكتراثاً بما جرى في الماضي. اختلاف الجيل الجديد هو الأمر الطبيعي، ولا يمكن للتاريخ أن يكون على نحو آخر، حتى لو تأخر حدوثه سنة أو بضع سنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.