آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 5:23 م

عن الصادق واللغة وزفير الوظيفة

أثير السادة *

كان يغفو بين دفاتر أحلامه، يتدثر باللغة، ويتوسد حروفها التي رافقته طيلة عقود باعتبارها باب الوظيفة الذي منه دلف للحياة.. باتجاه الكتابة كانت رحلته التي ابتدأت في الثمانينات من القرن الفائت، تشرق الشمس في الصباح فتترك الكثير من الضوء على أطراف خواطره وقصصه ومقالاته.

عادل أحمد الصادق.. عرفته في مطلع الألفية الجديدة، يبخر يومياته برائحة القهوة، وهو يجمع الليل بالنهار من أجل اكمال صفحات جريدة محملة بالكثير من ذكرياته، تلونت صفحاتها، وتعددت صورها، وتقلبت أحوالها، وهو معها يقلب أمنياته وخواطره، مثاليا يبدو في ما تخطه يده من سطور، مثالية لا تشبه الأخبار التي يرويها الرفاق، لعلها سنة الصحيفة واتجاهاتها، أو لعلها سيرة الوعي ما بعد شقاوة البدايات التي جعلته في مرمى المناشير في بلدته.

يكتب في التربية كتربوي، ويكتب في التحفيز الوظيفي كخبير في التطوير المهني، ويقلب في المناسبات بحثا عن معان تخرجها من صمت الفجاجة، كانت لغته منبسطة خالية من التعقيد، تستند إلى القواعد المهنية في الكتابة، أي أنها شديدة الانضباط لدروس الكتابة الصحافية، لا تراه يشاكس القواميس في الكشف عن مفردات غريبة، غير أنه يذخر مغامرته اللغوية للخواطر والقصص التي تحدثنا عن وعود بكر لقاص يملك شهوة السرد.

هذه من أحاديث الثمانينات والتسعينيات، من صدى الحماسة التي تحفل بها روح الشباب، يومها كان يقف على أطراف القلب وهو يصغي لتحولات الحياة، تثيره أصغر الأشياء في الطبيعة حوله إلى أكبرها، فيكتب متأملا ومتلذذا بالغروب، وزقزقة العصافير، ورائحة الخبز، يكتب عن الموت والولادة، كتابة مملوءة بالقلق والأمل معاً.

كلما قتربنا من الألفية الجديدة، توارى صاحبنا خلف الواجبات الإدارية، وانحصر الكلام في حدود التغطيات والتقارير الخبرية، تشغله مهمات رئيس التحرير أكثر من سواها، تصحو رغبة التطوير للمحتوى والشكل للصحيفة، وتغفو معها أشياء كانت توهجت في طريق الكتابة بالأمس، لم يعد جائعا للكتابة كما كان، ينتخب منها فقط ما تهبه حصة للهروب من يوميات المكتب، أما الباقي فقد ركن كما يبدو في رفوف الذاكرة.

هذا هو فعل الوظيفة في اللغة، تأخذ منها هذا الماء الذي ينساب في مجرى الكتابة الحرة، تحيله تمارين لأجل استكمال دورة الحياة، حتى يصبح اللقاء ثانية بهذه اللغة نوعا من الارتباك، وفقدان لذة المغامرة، لقاء سيخلو من جمرة البدايات ونشوتها، لأننا لم نعد نتدفء بنار التآويل التي كنا ننادمها.