آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 8:29 ص

ضياع البوصلة

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ البعض مسارا خاطئا في الكثير من المواقف الحياتية، مما يجعله يسير في عكس التيار، ويؤدي للفشل احيانا في الوصول الى الهدف المنشود، نظرا للافتقار للوقود اللازم لمواصلة المشوار أولا، وانعدام الدعم المطلوب لتحقيق الهدف من ثانيا، الامر الذي ينعكس على اشكال مختلفة، بعضها يترجم في حالة النفور الاجتماعي، من تلك الممارسات غير المتوازنة، والبعض الاخر يترجم بالخروج عن الثقافة السائدة والاجماع العام.

انتهاج قناعات ومرتكزات فكرية غير مألوفة، تمثل احد الأسباب وراء رسم المسار الخاطئ، خصوصا وان تلك القناعات تغري أصحابها للاقدام على ممارسات ”صادمة“، وغير مستساغة على الاطلاق، مما يحدث حالة من الذهول وعدم التصديق، الامر الذي يتمثل في اتخاذ مواقف متباينة تجاه هذه الشريحة، مما يضع بعض الفئات الاجتماعية في حالة من الارباك، والتأرجح تجاه تلك الشعارات المرفوعة، خصوصا وان بعض الفئات ترفع الشعارات ”البراقة“، لاستقطاب بعض الفئات الاجتماعية البسيطة، من خلال تغليف بعض الممارسات ”الصادمة“ بالاطار الديني، وأحيانا ”العشائري“ والقبائلي.

غياب ردود الفعل غير القوية، وأحيانا صدور الأفعال الخجولة، تمثل احدى المحركات الأساسية، وراء بروز ”المسارات الخاطئة“ في البيئة الاجتماعية، فالبعض يتخذ من ردود الأفعال مؤشرا، في الاقدام على بعض الممارسات غير المألوفة، فاذا جاءت عنيفة وقوية فانه يتراجع، ويعيد الحسابات بشكل جذري، فيما ستكون الأمور مثالية بمجرد اختفاء ”الاستنكار“، والرفض تجاه تلك الممارسات ”الصادمة“، الامر الذي يفسر استمرارية البعض في السير بعكس التيار الثقافي السائد، نظرا لعدم وجود معارضة حقيقية من جانب، والحصول على التأييد العلني والضمني، لدى بعض الشرائح الاجتماعية من جانب اخر.

امتلاك الموارد المالية، وبعض القنوات الإعلامية، يشجع على اتخاذ الخطوات ”الصادمة“، نظرا لامكانية الاستفادة من العنصر المالي، في اسكات بعض الأصوات الرافضة، والعمل على استمالة بعض الأطراف المعارضة، مما يمهد الطريق امام غض الطرف عن تلك الممارسات ”الخاطئة“، سواء بشكل مؤقتي او بصورة دائمة، انطلاقا من تلاقي بعض المصالح الانية من جانب، وضمان تدفق الأموال من جانب اخر، وبالتالي فان السكوت مرتبط أحيانا بعمليات شراء الضمائر، وليس مرتبطا بالقناعات بصوابية تلك المسارات، وقدرتها على احداث التغييرات الجذرية في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان ”الفقر الفكري“ لدى أصحاب المسارات الخاطئة، غير قادر على مجاراة الثقافة الاجتماعية الرصينة، ”فاقد الشيء لا يعطيه“.

استخدام السلاح الإعلامي يمثل احدى الأدوات الرئيسية، في عملية تمرير المسارات الخاطئة في البيئة الاجتماعية، فالدخول في المواجهة المباشرة مع الثقافة الاجتماعية الراسخة، يتطلب إيجاد أسلحة قادرة على التصادم والصمود، خصوصا وان التيارات الاجتماعية تمتلك الكثير من الأسلحة، في الوقوف بوجه مختلف التيارات الساعية، للتشكيك في القناعات الثقافية السائدة، الامر الذي يستدعي الاستفادة من السلاح الإعلامي، لاعادة رسم المرتكزات الثقافية، من خلال وضع بعض المسارات الأخرى، عبر استخدام الكثير من المفردات، مثل أهمية التغيير، ومجاراة المستجدات، ومواكبة العصر، وغيرها من الشعارات ”البراقة“، الساعية لاحداث اختراقات في طريقة التفكير الاجتماعي، وبالتالي فان الماكنة الإعلامية تلعب دورا أساسيا، في تمهيد الطريق امام دخول المسارات ”الخاطئة“ في الثقافة الاجتماعية السائدة.

القدرة على تمرير المسارات ”الخاطئة“ مرتبطة بالبيئة الاجتماعية، وكذلك بالامكانيات المتوافرة لدى أصحابها، فالعملية ليست سهلة ولكنها ليست صعبة على الاطلاق، الامر الذي يفسر حرص أصحاب المسارات ”الخاطئة“، على اختيار البيئة الاجتماعية المناسبة، لاطلاق مثل هذه المسارات، بالإضافة للعمل على تأهيل الكوادر الداعمة للمشروع، بهدف تحقيق الضمانات الأساسية لنجاح المشروع، وإزالة كافة العراقيل التي تعترض طريقه، خصوصا وان الامال المعقودة على المشروع كبيرة، مما يستدعي التحرك الجاد في سبيل الوصول الى الهدف، من خلال الدفاع المستميت لاثبات صوابية تلك المسارات، والدخول في صراع ”وجودي“ مع الثقافة الاجتماعية السائدة، باعتبارها العدو الأكثر خطورة على مستقبل هذه المسارات، في المرحلة القادمة.

كاتب صحفي