آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 9:02 ص

افق الازمات

محمد أحمد التاروتي *

التعامل مع الازمات يختلف باختلاف النظرة، والقدرة على تحمل التبعات، فهناك شريحة تجد في الازمات فرصة ذهبية لاثبات الذات، واكتشاف الجوانب الخفية وغير المرئية، لاسيما وان وجوه الازمات متعددة ولا تكشف سوى بعض الجوانب، ولكنها تختزل العديد من الوجوه الخافية، الامر الذي يتطلب سبر اغوار الازمات لاكتشاف الكنوز المدفونة في بطونها، فيما تصاب بعض الشرائح بحالة من الذهول والارباك، بمجرد بروز بعض المشاكل، نظرا لعدم وجود الاستعدادات النفسية والعقلية، لاستقبال مفاجآت طارئة او أزمات جديدة، الامر الذي يدفعها للتحرك في الاتجاهات المختلفة بحثا على الحلول، وتعطيل الكثير من القدرات الذاتية القادرة على اكتشاف المعالجات المناسبات، بحيث تظهر على اشكال بعضها قرارات ارتجالية، وبعضها الاخر بواسطة تقديم المزيد من التنازلات، في سبيل الحصول على بعض المكاسب الانية، او المتواضعة.

افاق الازمات تختلف باختلاف قوتها، وتمددها في البيئة الاجتماعية، فهناك أزمات ليست قادرة على تجاوز الاطار الجغرافي المحدود، مما يجعلها غير مرئية او فاعلة في الوسط الاجتماعي، وبالتالي فانها لا تستحق الاهتمام او التحرك السريع لمعالجتها، نظرا لمحدودية اثارها في العقل الجمعي، فمعرفة الأثر الاجتماعي للازمات عنصر أساسي، في وضع المعالجات المناسبة والنهائية، خصوصا وان الازمات ليست واحدة وبحاجة الى حلول مختلفة، اذ لا توجد حلولا معلبة، وقادرة على وضع نهايات لها.

الازمات الكبرى تمثل تحديا حقيقيا على الاطار الاجتماعي، باعتبارها محطات مفصلية في التاريخ الاجتماعي، مما يجعلها اكثر قدرة على اختراق العقل الجمعي، نظرا لوجود الكثير من التفاعلات والتداعيات، على المدى القصير والمتوسط والبعيد، وبالتالي فان النظرة الفاحصة للازمات تعطي الأثر الكبير، في دراسة انعكاساتها على الثقافة الاجتماعية، بمعنى اخر، فان محاولة البحث عن الحلول عملية أساسية وخطوة ضرورية، للوصول الى النهاية السعيدة، بيد ان التحرك لايجاد الحلول ليس كافيا للتعرف، على الجوانب الفاعلة في الازمات، والوقوف على الجوانب الخفية، الامر الذي يتطلب وضع الازمات على طاولة البحث والتشريح، للتعرف على الأسباب وإيجاد ”الامصال“ القادرة، على لجمها قبل استفحالها بشكل كبير، مما يقود الى نتائج عكسية على الاطار الاجتماعي.

العقول المنفتحة عنصر أساسي في معالجة الازمات الاجتماعية، خصوصا وان الانغلاق يوصد جميع الأبواب، امام التوصل الى الحلول المناسبة، فيما الانفتاح يقود الى الاستفادة من التجارب البشرية المختلفة، ”أعقلُ الناس مَن جمع عقول الناس إلى عقله“، ”العقل غريزة تزيد بالعلم والتجارب“، وبالتالي فان امتلاك التجارب الكثيرة، والقدرة على مواجهة الازمات بروح إيجابية، والخروج من التحديات الكبرى باقل الخسائر، عناصر أساسية لتحقيق الانتصار، والتغلب على الازمات على اختلافها، ولكنها ليست قادرة على معالجة جميع الازمات، خصوصا وان القدرات البشرية تبقى محدودة، وبحاجة الى الاستعانة بالعقول الأخرى، من اجل تعزيز التكامل العقلي والتعاون الإيجابي، في مختلف المجالات الحياتية ”وفوق كل ذي علم عليم“، ”العاقل من وعظته التجارب“، ”لولا التجارب عميت المذاهب، وفي التجارب علم مستأنف“، وبالتالي فان الانفتاح يولد التكامل البشري، ويعزز التحرك الجاد لمعالجة الازمات على اختلافها، باعتبارها ضريبة الحياة لتجاوز الكثير من العراقيل، التي تعترض طريق المسيرة التنموية بالبيئة الاجتماعية.

عملية المعالجة مرتبطة بالاستعدادات النفسية، لتقبل الفشل في البداية، فالاصرار على النجاح مفتاح الوصول الى الحلول المناسبة، فيما الاستسلام والهروب من الساحة يسهم في تكريس هذه الازمات في الواسع الاجتماعي، مما يترك ثقافة سلبية وانهزامية في الوسط الاجتماعي، خصوصا وان الازمات مناسبة لاظهار الجوانب الإيجابية، لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، نظرا لما تمثله تلك الازمات من فرصة لتفجير الطاقات المكبوتة، من خلال البحث عن الجوانب المضيئة، وعدم الاكتفاء بالوجوه الظاهرة من الازمات، وبالتالي فان القدرة على اكتشاف العناصر غير المرئية، بداية التغلب على الازمات، وتسخيرها بالطريقة المناسبة، بما يخدم العقل الجمعي.

كاتب صحفي