آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 7:39 ص

كورونا.. التكاتف الاجتماعي

محمد أحمد التاروتي *

قالوا قديما ”اليد الواحدة لا تصفق“، و”يد الله مع الجماعة“، و”الشاردة للذئب“، وغيرها من الامثال، التي ترفع من شأن التعاون والتكاتف، في سبيل التغلب على المصاعب، والتحديات على اختلافها، خصوصا وان العمل الفردي ليس قادرا على الصمود لفترة طويلة، بخلاف النشاط الجماعي والتخطيط المؤسسي، مما يجعل التحرك الاجتماعي اكثر فائدة في اختصار المسافات، والوصول الى الهدف المشترك خلال فترة زمنية، فيما التحرك الفردي يستنزف الكثير من الوقت، ويستهلك الطاقات لانجاز العمل.

التحركات الكبيرة التي تتخذها الدول العالمية، لمواجهة وباء كورونا، مرتبطة بمدى الاستجابة الاجتماعية، والايمان الكامل بتلك الخطوات، خصوصا وان التشكيك وعدم التفاعل يعرقل جميع الجهود، ويمنع الوصول الى الهدف المنشود، فالعملية مرتبطة بالثقافة الاجتماعية السائدة في البيئات البشرية، مما ينعكس على سرعة الاستجابة، والسريعة مع الخطوات الحكومية بشكل متزامن، بحيث يحدث الأثر الاجتماعي المطلوب، وبالتالي الخروج من الجائحة باقل الخسائر في الأرواح.

التكاتف الاجتماعي عملية ثقافية بالدرجة الأولى، ولكنها مرتبطة بتفعيل القانون والنظام، من خلال سن التشريعات، وفرض العقوبات على الممارسات غير الملتزمة، لاسيما وان البعض غير قادر على الالتزام بدون النظام، مما يستدعي التعاطي مع تلك الشريحة بالطريقة التي تفهمها، وبالتالي فان النظام بمثابة ”السيف“ المسلط على رقاب الفئات المتهاونة، وغير الملتزمة بالبروتوكولات الصحية.

الثقافة الاجتماعية عنصر أساسي، في وضع الجميع على المسار السليم، لاسيما وان اكتشاف الممارسات الصائبة ليس صعبا على الاطلاق، بيد ان عملية تفعيل تلك الممارسات على ارض الواقع، يمثل التحدي الحقيقي لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، حيث تبرز أهمية الثقافة الاجتماعية في الازمات الكبرى، والمحطات المفصلية، مما يفرض واقعا اجتماعيا قادرا على التفاعل مع القرارات المصيرية، بالطريقة الإيجابية والحيلولة دون افراغها من محتواها، نظرا لخطورة ارتكاب تلك الأخطاء الكبرى، نظرا لما تمثله من كوارث على الصعيد الاجتماعي، لاسيما وان الأخطاء الفردية في الازمات الكبرى، تتجاوز حدودها الجغرافية، بحيث تشكل مشكلة اجتماعية كبرى، بمعنى اخر، فان الامراض الوبائية تستدعي انتهاج سبيل الوقاية التامة، وتفعيل الثقافة المسؤولة، عوضا من اللجوء الى الاستهتار، وانتهاج الثقافة التخريبية واللامبالية، من اجل تحقيق الانتصار المادي والمعنوي، على تلك الامراض القاتلة، مما يسهم في تكريس الثقافة المسؤولية، وطرد الثقافية التخريبية من العمل الجمعي.

عملية بناء الثقافة الاجتماعية الإيجابية، مرهونة بالاستجابة السريعة للمخاطر، والقدرة على استيعاب التداعيات السلبية، للثقافة الفردية والتخريبية، وبالتالي فان تعزيز الجانب الجماعي، وتغليب المصالح المشتركة، نقاط مركزية ومحورية، في بناء ثقافة التكاتف الاجتماعي، فاذا انتهجت بعض الشرائح شعار ”التغريد خارج السرب“، فان الضرر لا يقتصر على فئة دون أخرى، وانما يطال جميع الفئات الاجتماعية، انطلاقا من مبدأ ”الخير يخص والشر يعم“، مما يستدعي تفعيل المصلحة العامة، والابتعاد عن الانانية، وطرد الثقافة ”المريضة“، التي تحاول الانتشار، في البيئة الاجتماعية بطريقة خاطئة، لاسيما وان الاضرار المترتبة على هذه النوعية من الممارسات، ليست خافية على الجميع، مما يفرض وضع تلك الأمور في الاعتبار، وعدم الانسياق وراء بعض المغريات الانية، والأغراض الشخصية.

كورونا احدى التحديات الماثلة لتفعيل مبدأ التكاتف الاجتماعي، خصوصا وان الحكومات بحاجة الى التفاعل، والتعاون لتحقيق الخطط المرسومة، فاذا سيطر التهاون والاستهتار على الممارسات اليومية، والابتعاد عن انتهاج الإجراءات الاحترازية، فان الجهود المبذولة للسيطرة على الوباء ستكون محدودة، وتتطلب فترة زمنية طويلة، فيما ستكون الأمور اكثر اشراقا واسرع، بمجرد تحول الثقافة الاجتماعية الى ممارسات عملية، وتكاتف في مختلف الأمور، الامر الذي يسهم في القضاء على الازمة، وتجاوز المصاعب التي فرضتها جائحة كورونا، على الجميع في مختلف انحاء العالم.

كاتب صحفي