آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 7:37 ص

التغيير قادم

عبد الرزاق الكوي

قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا

تبنى الحضارات وتبقى وتتقدم الأمم وتطور وتستمر عمر مديد حسب الظروف المتاحة والعلاقات والتعامل مع المحيط والآخرين، فكم من حضارات سادت وبادت وبسبب سلوكيات قوضت تلك الحضارات وانهارت وأصبحت من التاريخ وبقت عبرة، حضارة سادات وسيطرت وتفرعنت، وأصبحت من سماتها التطور التكنولوجي في جميع النواحي بشكل عام والعسكري بشكل خاص، استغل الفكر والإبداع للهدم ولكثرة الحروب والتهديد، في واقع ينبئ بالانحدار السريع للهاوية، ومستقبل ليس مجهول للعيان.

فالقوة المفرطة لا تبني حضارة بل مزيد من التوتر وخلق أزمات متتابعة سواء اقتصادية أو سياسية وتوابعها وما تؤثر على المستوى النفسي والاجتماعي بشكل عام مما ينتج عنه من فساد وإدمان على المخدرات وتفكك اجتماعي وتهديد للإنسان وبيئته، كل ذلك مسببات لانهيار أي تجمع فردي أو على المستوى العالمي.

فالتاريخ حافل بالعبر والعاقل من يتعظ ويستفيد من أجل بناء أفضل، الغرور بالقوة ليس دائما هو الحل المناسب، والسبيل لمجتمعات أفضل، فالترسانات والبوارج وحاملة الطائرات وغزو الفضاء لم يخلق واقع أفضل على الأرض من حياة يجنبها الحروب والفقر والتشرد والمجاعات والمظلوميات المنتشرة في اصقاع الإرض، التقدم التكنولوجي اليوم بدون روح أو وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني، الواقع لا يعطي أمل باستمرار هذه الخضارة المريضة، فالتقدم على جميع الأصعدة إلا الصعيد الإنساني، الصعيد المهم لهذه الحضارة ليس الإنسان بل هو ترسيخ الماديات والفكر الاستحوادي.

اليوم كتاب ومفكرين وعلماء ومتخصصين في مختلف العلوم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وغيرها من أهل تلك الحضارة يدلون بدلوهم ويتنبئون بالخطر المحدق على هذه الحضارة وعلاقتها بأساس البقاء وهو الإنسان، أصبحت في واقع تأكل نفسها بنفسها، وتخلق الجو المناسب لفناءها، بما تملك من وسائل القوة المادية والعسكرية التي بإمكانها تدمير كل ما على الأرض مرات متعددة، في حين يموت الملايين من الجوع والفاقة والتشرد.

قادة الحضارة استحوذ على فكرهم المادة والتسلط على مقدرات العالم بطرق غير مشروعة، أصبح العالم غابة كبيرة يأكل القوي قوة الضعيف بلا رحمة أو واعز من ضمير.

وما يهدد هذه الحضارة الزائفة التي هي اليوم أوهن من بيت العنكبوت، بروز قوى على النطاق العالمي ترفض مبدأ السيطرة والهيمنة والغطرسة في العلاقات الدولية.

يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ

الحضارة تمر بمراحل يمكن قياسها بكائن حي يمر بمراحل حياتية إذا عاش في بيئة سليمة. واتبع خطوات من حياة صحية ونفسية واجتماعية ووجد الظروف تساعده عاش حياة سعيدة وصحة مديدة، أما إذا تكالبت عليه الظروف واستسلم للواقع وأثر عليه في اتخاد أسلوب حياته واتجه إلى أعمال غير مشروعة فقد بدأ الإنهيار.

فالتنافس العادل معدوم في هذه الحضارة لا صوت يرتفع على صوت القوي، وكل صوت يرتفع فمصيره ربيع أو خريف أو أي اسم من الأسماء الرنانة ظاهرها خير وباطنها شر ودمار وفناء.

فالبقاء واستمرار حضارة ما ليس بالكم وعدد السنين والقرون، بل بالكيف وما تقدمه للإنسان المستضعف على هذه الأرض الذي لم يسلم منها البشر والمدر تدمير شامل على مرأى واعين العالم، توزيع غير عادل للثروات التي جميعها تصب لمصالح خاصة وشركات عابرة للقارات، أنعم الله تعالى على العالم بأنعم لا تعد ولا تحصى تستحوذ عليها مجموعات قليلة، شوهة كل جميل في هذا العالم حتى تبقى أطول مدة، جاء الوقت التي برز الخطر وبرزت قيادات ودول اليوم تبني مستقبلها باستقلالية عن النفوذ المتسلط، تتمنى البشرية الوصول معها إلى بر الأمان وبناء حياة أفضل يتقلص فيه مستوى الفقر وتنتهي أو تخف الحروب وتحل قضايا العالم العالقة بعقلانية.