آخر تحديث: 27 / 1 / 2022م - 6:38 م

كلٌ يجرّ النّارَ إلى قُرصِه

محمد يوسف آل مال الله *

في العام 1997 م وبينما كنت واقفًا مع زميلي في العمل من الجالية السودانية نتحدث عن إحياء مولد النبي محمد ﷺ إذ جاءنا زميل آخر اسمه أ م هـ، سعودي الجنسية من الأخوة السّنة، وبعد أن ألقى علينا التحية بادرني قائلًا:

أود أن أسألك سؤالًا لكنّي خائف أن تزعل.

أجبته: سل ما بدى لك، فليس ثمة سؤال في العالم يستحق الزعل.

رمقني بنظرة استغراب وتعجّب! فأردفت قائلًا... أنا شخص منفتح ولا تغيضني الأسئلة مهما كان نوعها حيث أملك حريّة الجواب.

سألني: ماذا تقصد؟

قلت: لديّ حريّة في أن أجيب على السؤال أو أعتذر، أليس كذلك؟

ابتسم وقال: كلامك صحيح، وبإمكانك عدم الإجابة إن لم يعجبك السؤال.

سألني: لماذا أنتم الشيعة لا تسمّون أبناءكم.. أبا بكر وعمر وعثمان؟

ابتسمت ابتسامة عريضة وقلت: هذا ليس صحيح، فاسم ابن اختي عثمان، واسم ابن خال زوجتي عمر، أمّا اسم أبي بكر فمركّب وصعب والقليل منكم من يتسمّى بهذا الاسم.

هنا تحدّث زميلي السوداني وقال: الاسمين أبو بكر وعثمان من أكثر الاسماء المستخدمة في السودان.

عقّبت مازحًا: هذا صحيح، فاسم عثمان يملأ نصف السودان.

ضحكنا جميعًا ثم توجهت لزميلي أ م هـ، هل لديك سؤال آخر؟

ابتسم: ليس لديّ سؤال وإنّما طلب.

فتحت عينيّ متسائلًا: ما هو الطلب؟

أجاب وهو متردد: أريد أن أقرأ كتب الشيعة حتى أعرفهم؟

قلت له: لو قرأت كتب الشيعة فستقول بأنّ الشيعة يبالغون ويجرّون النار إلى قرصهم، فما رأيك أن تقرأ كتبًا للسنة، أمثال.. كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر العسقلاني، وكتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري وكتبًا أخرى؟ فهذه الكتب متوفرة في المكتبات السعودية وتتحدث عن التاريخ الإسلامي والأحداث التي مرت بها الأمة الإسلامية، فابن حجر والطبري شخصان معتدلان وينقلان الأخبار والأحداث كما جرت لترى من أين بدأ الخلاف وما هي حقيقته.

استحسن الرأي وشكرني وانصرف.

بعد أسبوع تقريبًا، أتى إلى مكتبي وطلب أن يتحدث معي. لم أمانع. خرجنا في الساحة حيث تقابلنا في المرة الأولى وتناقشنا بشكل ودّي للغاية، حتى طلب منّي كتبًا شيعية.

سألته إن سنحت له الفرصة بأن يقتني تلك الكتب التي أشرت إليها من قبل أم لا؟ فكان ردّه: أريد أن أقرأ كتب الشيعة.

ابتسمت ابتسامة عريضة وسألته: هل أنت متأكد من رغبتك وطلبك؟

أجابني: بالتأكيد وأعدك بالقراءة والمناقشة، فرغبتي كبيرة في أن أتعرّف على مذهبكم حتى لا أقع في ذنب بحقكم.

أسعدني حماسه وإصراره على ذلك. بعد عدة أيّام ناولته عدة من الكتب وكان من ضمن تلك الكتب، كتاب المراجعات للسيد شرف الدين العاملي.

بعد عدة أيام، صرنا نتبادل أطراف الحديث بشكل يومي ونناقش الكثير من المواضيع. بقينا على هذا الحال لعدة أشهر حتى اتضحت لديه الرؤية كما أخبرني.

ها نحن ومن ذلك اليوم وحتى يومنا هذا وبرغم أنّه تقاعد عن العمل منذ سنوات، إلّا أننا على تواصل مستمر حيث تحوّلت تلك الزمالة إلى صداقة خاصة ومن ثمّ إلى أخوة كبيرة جرّاء تبادل الزيارات فيما بيننا.

هذه التجربة التي جعلتنا نصل إلى هذا المستوى من العلاقة تعود إلى ثقة بعضنا ببعض وتواصلنا الفعّال ومناقشاتنا البعيدة كل البعد عن التعصّب والغلظة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران آية «159».

لقد كان كل واحد منّا يحترم معتقدات الآخر بغض النظر عن اختلافاتنا الفكرية والعقدية. يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات آية «13».

لا تدع العصبية الجاهلية والنزعة المذهبية أن تبعدك عن إخوانك مهما كانت أفكارك ومعتقداتك مختلفة عن أفكارهم ومعتقداتهم، فالعصبية تجلب العداوة والبغضاء والشحناء وضياع الأمن والاستقرار، والله سبحانه وتعالى يوصينا بالتعاون على البر والتقوى. يقول سبحانه وتعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ المائدة آية «2».