آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 12:34 ص

بين حضارتين

عبد الرزاق الكوي

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال.

مع اشراقة رسالة الإسلام على يد المصطفى محمد صلى الله عليه واله بزغ فجرا جديدا للإنسانية معلنا ولادة حضارة سماوية تقود الحياة إلى آفاق الرقي والتقدم، تفاعلت البشرية مع هذا الحدث العالمي الذي انطلق من مكة المكرمة إلى أرجاء العالم، سيطر هذا الحدث على القلوب قبل العقول لما شاهد من عدالة ورحمة هذه الرسالة الربانية، وفي الطرف الآخر بقت قلة وهي خطرة بدأت الحرب الشرسة على هذه الرسالة مندو ولادتها سواء من أهلها المحيطين من المشركين والمنافقين او الأخطار المحدقة بها من قبل حضارات كانت موجودة مثل الروم والفرس وغيرهم، وهذا ديدن البشرية مع كل حالة إصلاحية تبرز فئة حاقدة لهذا الإصلاح لأنه يهدد اطماعهم وفسادهم وواقعهم الذي وصلوا اليه بطرق غير مشروعة، ومع هذه الحرب الشرسة عمت وانتشرت تلك الحضارة في ارجاء العالم ومع استمراريتها استمرت معها الحروب المتتالية ضدها من قوى ومنظمات عالمية تهدد هذه الحضارة مصالحهم وتكشف زيفهم وتعري واقعهم، فالحضارة الإسلامية جاءت لتحمي وتحافظ على الإنسان من الظلم الحادق به، من قبل زعامات ومافيات تريد السيطرة على الواقع تعمل تحت اجندات خفية لضرب كل قوى تفكر في تغيير الواقع تحت مظلة مبادئ أخلاقية وانسانية، فالحضارة الإسلامية ومندو ولادتها رفعت راية التآخي والمحبة، استوعبت كل من دخل تحت مظلة هذه الحضارة واستفادت من التجارب والثقافات الأخرى، وشكلت واقع مشرف انتهت فيه القوميات والعنصريات والتحزبات والزعامات ليبقى للإنسان انسانيته وكرامته معززة، وهذا ما يعاني منه الإنسان في هذا العالم من طبقيات وعنصريات وتفاوت شاسع وظالم في مستوى الحياة من قبل القوى المتربصة بهذه الانسانية، ومن المؤكد ان هذه القوى لا ترضى بحضارة تتمم مكارم الأخلاق ونشر العدالة على المستوى العالم وتشريعات السماء والقوانين الوضعية التي تنتهك على مر الساعة بدون أي وازع ديني او اخلاقي أو إنساني، فالحضارة الاسلامية لم يكن طريقها مفروش بالورود، ولن يكون طريق عودتها ممهد، بل اليوم تتعرض الى حرب مضاعفها من القوى العالمية، تتمثل في ضرب عقيدة متبعي هذه الحضارة وتشكيكهم في قدرتهم وتثبيط عزيمتهم وخلق واقع لهم يبعدهم للرجوع لمبادئهم ويفقدونهم الأمل، ويخلقون في نفوسهم الروح الانهزامية يعيشونهم ان هذا الواقع هو الباقي والقوي والقابل للاستمرار، وهو واقع ظاهره جميل وباطنه فاسد لا يحمل خير، تسقط هذه القوى في كل امتحان إنساني، وتفشل ايدلوجياته في قيادة هذا العالم.

فالإنسان هو الأمل والمرتجى في ظل ظروف صعبة أن يكون صاحب إرادة على المستوى الشخصي لينعكس على المستوى الاجتماعي ويكون لبنة خير في اعادة صياغة حياته أولا ومجتمعه وامته، تهيئة الجو المناسب لهذا الحضارة السامية كواجب شرعي وإنساني بتزكية النفس وتهذيب الخلق، ان يتمسك بمرتكزاته الربانية والابتعاد عن زخارف الحضارة المزيفة، التي تكيل مكاييل خاطئة، بعيدة عن كل عدل ومساواة، لا توجد للإنسان كرامة ولا عيش هانئ، حضارة يقهر فيها الضعيف ويكثر فيها الفقراء، وينتشر أفراد هذه الحضارة في ارجاء العالم مشردين بسبب الحروب المفتعلة.

العالم اليوم يحتاج الى حضارة يسود فيها السلام والعدل والتسامح والمحبة وتبادل المصالح بشكل عادل، وهذا ما جاء به نبي الامة محمد صلى الله عليه واله، وبشر بأنه سوف يسود العالم لا محال لأنه المنقد لشقاء الانسانية من منتهكي سيادتها.

الكرة اليوم في الملعب على المستوى الفردي والجمعي والمسؤولية شرعية، فالشيطان اليوم يتمثل في هذا الواقع الفاسد التي تعيشه الانسانية، طريق الصلاح واضح باتباع خطى الرسول صلى الله عليه واله ومن جاؤوا بعده حملوا راية الصلاح أولا وآخرا.