آخر تحديث: 7 / 5 / 2021م - 7:19 م

فضائح المثقفين!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

سقط القناع عن فيلسوف ومناضل فرنسي لامع، بعد أربعين عاماً على رحيله... لكنّ عشرات المثقفين الذين رجموه بالحجارة ما زالوا يتلطّون خلف الأستار لم ينكشفوا...!

الصديق المقرب للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، وهو أيضاً فيلسوف يُدعى غاي سورمان، اتهمه باغتصاب وممارسة الجنس مع أطفال فوق جثث الموتى في المقابر خلال إقامته في «سيدي بوسعيد» بتونس، أواخر الستينات...

صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية ذكرت في تقريرها أن غاي سورمان، البالغ من العمر 77 عاماً، الذي رافق فوكو مع مجموعة من الأصدقاء في زيارة لقرية بوسعيد التونسية في أثناء عطلة عيد الفصح عام 1969، شاهد «أطفالاً صغاراً، تتراوح أعمارهم بين 8 و10 سنوات، يلاحقون فوكو قائلين: ماذا عنّي، خذني... فيما كان فوكو يرمي الأموال عليهم ويقول لهم سنلتقي في المكان المعروف عند الساعة العاشرة مساءً... أي مقبرة القرية».

تعد الفترة التي قضاها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، في تونس حافلة بالنضال، حيث كان ملهماً لعشرات الشباب اليساريين الذين وجدوا فيه صورة المثقف الملتزم بقضايا العمال والعدالة والحرية ضد نظام بورقيبة، لكنه على الجانب الشخصي كان ميّالاً لنزعة تحررية منحّلة، وعالجت كتاباته مواضيع كالإجرام والجنون والعقوبات والسجون. أرّخ للجنس، في كتاب «تاريخ الجنسانية»، وكتب «حب الغلمان عند اليونان»، وفي 1977 وقّع عريضة طالب فيها بتشريع ممارسة الجنس مع الأطفال في سن ال13 عاماً.

لكنه أضفى على نزعته الهمجية هذه بُعداً فلسفياً، فقد رأى أن أي قانون، وأي معيار مهما كان أخلاقياً، هو شكل من أشكال الاضطهاد من الدولة والبرجوازية المتحالفة معها.

لكنّ تلك الجرائم لم تكن نزعة منحرفة فقط بل كانت تعبيراً عن شعور بالتفوق والاستعلاء يمارسه كتاب ومثقفون وحتى فلاسفة ضد شعوب أقل نمواً وثراءً... نفسه صديقة سورمان يوضح أنّ فوكو لم يكن ليتجرأ على فعل كهذا في فرنسا، وقارنه بالرسام بول غوغان الذي كان يمارس الجنس مع الفتيات الصغيرات اللواتي رسمهن وهو في جزيرة تاهيتي، وكذا الروائي أندريه جيد الذي كان يتصيّد الأطفال في أفريقيا. واعتبر سورمان أنّ لهذه التصرّفات «بعداً استعمارياً... إنّها الإمبريالية البيضاء».

ما فعله الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، هو كارثة أخلاقية، ولكنّ هناك العشرات من المفكرين والمثقفين في الغرب والشرق مارسوا ما هو أبشع... شاعر فرنسا ورئيسها المؤقت الشاعر ألفونس دو لامارتين أمر بسجن الأمير عبد القادر الجزائري، بشكل يتنافى مع القيم التي جاهر بها لامارتين، فبعد مدة قضاها أسيراً في طولون، قررت الحكومة الفرنسية بأمر من الشاعر ألفونس دو لامارتين في أبريل «نيسان» 1848 نقل الأمير و77 من عائلته للاحتجاز في قصر هنري الرابع القديم. ومثله أيضاً الروائي فيكتور هيغو انضمّ هو الآخر لعريضة تطالب باستمرار احتجاز عبد القادر الجزائري، بل دعا لاستمرار احتلال الجزائر «لأننا سوف نحمل إليها الحضارة»...

سقط القناع عن ميشيل فوكو، نجم الفلسفة والفكر في السبعينات، وعلى رأي النعمان بن المنذر: «قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً فما اعتذارك من قول إذا قيلا»... لكن عشرات المثقفين وأدعياء الفكر والدين الذين اصطفّوا مع الظلم والطغيان وبرّروا جرائم الجلادين، من صدام حسين لمعمر القذافي وغيرهما، هؤلاء رأينا بعضهم ينبري لرجم ميشيل فوكو...! أسوأ منهم بعض مثقفي التيار الإسلامي الذين استغلوا فضيحة فوكو للتصويب على اليسار التونسي تحديداً، واستغلالها ضمن معركتهم السياسية والآيديولوجية هناك... كأنهم وأحزابهم وتياراتهم ملائكة منزّهون ومطهّرون، في تصرف يكشف ما قاله أحدهم: «ثراء العقول وفقر الضمائر».