آخر تحديث: 18 / 5 / 2021م - 10:13 م

الهوية الثقافية

عبد الرزاق الكوي

يعتبر هذا العصر عصر الانفتاح الإعلامي والتواصل الاجتماعي بأحدث الطرق التكنولوجية هذا الانفتاح العالمي في كثير من النواحي الحياتية، وما يفعله الإعلام المرئي وقنوات التواصل من فعل مؤثر، تبقى القوى المسيطرة في هذا الواقع لمن يملك التحكم في هذا المنتج الحيوي، بما يفرض واقعا فكريا وثقافيا على من حوله، يتقارب العالم وتتفكك الحدود الفضائية ويصعب السيطرة على هذا الطوفان الذي يكتسح العالم.

فالعالم القوي يروج لثقافته بطرق كلاسيكية سلسة ويبث الدعاية لتلقى القبول ومن بعدها يبدأ الخطر الداهم هو مزيد من السيطرة على الواقع، تسعى تلك القوى لتفعيل جميع أجنداته للسيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كل واحدة تخدم اجندات الأخرى، ويمكن اعتبار المشروع الثقافي أشد خطورة وأكثر شراسة، فعندما تذوب الهوية الثقافية ويضعف الجانب العقائدي لأي مجتمع هو البداية لتقهقره وضعفه ومزيد من تبعيته.

يزرع القوي الشك لتفقد الثقة بالنفس في القدرة الثقافة المحلية على مواجهة الثقافات العابرة التي تتزين بكثير من الزخارف وتبث بإخراج جيد لضرب مراكز القوى للمجتمعات التي يخطط للسيطرة عليها، وطمس ثقافتها وتغيير سلوكها بالوسائل المسموعة والمرئية والمكتوبة ووسائل إعلامية جذابة.

العالم الإسلامي والعربي بلا شك يملك خلفية ثقافية عظيمة خصوصا من يأخذها من مصادرها الحقة، بما يملكون من مكانة على الساحة على مر التاريخ، من أجل ذلك كان العمل الدؤوب من القوى المسيطرة في حربهم المستمرة ولن تتوقف في محاربة هذه القيم وزعزعت العقيدة لهذه المجتمعات، بإبراز ثقافتهم المزيفة كحقيقة مسلم بها، وفرضها على العالم باعتبارها الثقافة البديلة والمتطورة والمواكبة للعصر، والصالحة للعالم اجمع.

الحملة التغريبية للقيم والأخلاق الفاضلة وبث الأفكار الهدامة والمنحرفة بصور جذابة وغطاء إعلامي مؤثر بحجة الحرية الشخصية والتقدم الحضاري ومتطلبات العصرنة.

يسلط ضغوطاته الاقتصادية والسياسية لتصب في تحقيق مشروعه في الهيمنة، تصبح كل الثقافات حسب متطلباته وتخدم مصالحه، في بناء العالم الجديد الذي ينشده، وهو مشروع ليس وليد اليوم، بل قديم ولكن النفس الطويل والقبول لمشروعهم جعلهم يبدلون كل ذلك الجهد لجني ثمار عملهم.

فالحضارة الحالية ليست جمعية خيرية وليست مؤسسة خدمية بلا مقابل، هي مشروع بلا روح ولا إنسانية لا يعترف بوجود الآخر، من أجل مصالحة المادية يقوم بجميع الأفعال المخالفة للأعراف والمواثيق الدولية والقيم الإنسانية، رغم هذه الحرب الشرسة فالأمل موجود بالهوية الثقافية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، توجد قيم لازالت يعمل بها في كافة ارجاء العالم محافظة على تقاليدها وحضارتها وقيمها الدينية والثقافية والإنسانية، ترفض هذه الحرب وتقاوم فرض مثل تلك المشاريع المشبوهة على مجتمعاته.

المجتمع المحلي من تلك المجتمعات التي تملك قيم أخلاقية ووازع ديني وثبات في العقيدة لارتباطهم الوثيق بأهل البيت الذي يعتبر صمام أمان، والصمود في وجه تلك المشروعات، وحتى مع وجود ظواهر سلبية هنا وهناك وهذا متوقع وما يحدث في جميع المجتمعات على مر التاريخ، ومع ذلك المجتمع لا زال بخير والأمل منوط بالجهود المبذولة من أصحاب الفكر والرأي والعلماء في حماية مجتمعهم من الانحراف الفكري والثقافي.

العمل الجاد المتمم لمكارم للأخلاق والقيم الفاضلة، وبسبب قوة ورسوخ هذه الثوابت تشن على المجتمع الحروب المتتالية والضربات المستمرة والفتن المحاكة.

رغم كل ذلك لا أحد ينكر الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي ونواحي مختلفة من تلك الحضارة، والعمل على الأخذ الجيد والابتعاد عن ما فيها من سيء، والعمل على ان تكون المجتمعات في غاية التقدم ليتمتع كل مجتمع بخيراته ويمارس ثقافته، ويتعامل مع الغير بحوار الحضارات وتبادل الأفكار بعيدا الفكر المهيمن.

فالطريق للمحافظة على الهوية الثقافية ليس مفروش بالورود وليس ممهدا بل يحتاج الى وعي وهذا الوعي له متطلبات ان يكون الفرد والأسرة والمجتمع والأمة كلهم يتحملون هذه المسؤولية كواجب مقدس، ان تفعل جميع الوسائل لخدمة هذه المسؤولية العظيمة، من وسائل مرئية ومسموعة واعلام وعلماء ومثقفين واجتماعين في حماية مجتمعاتهم لتكون في مكانها المناسب، مواجهة الحملات المستمرة ان يصنع المجتمع ثقافته بناء على قيمة الدينية والأخلاقية.