آخر تحديث: 7 / 5 / 2021م - 8:44 ص

هَروَلة أم عَرقَلة؟

عبد الله أمان

تعرَّف الهرولة في اللغة: بالمشي السريع؛ وفي مدلولها العام الأوسع: الاندفاع والسعي المتعجِّل لقبول فكرة عابرة؛ أو النزوع إلى أداء عمل ما، دون تروٍ مُتبصر؛ أو تفكير مُتدبر؛ أو استشارة صائبة؛ أو تؤدة رائقة. وقد تكون مسارات القبول الطوعي، ومسالك الأداء الفعلي المتزامنة؛ لملاحقة ومطاردة أشواط فوران صولة التسرع الطائشة، تصب بتدفق سخي في أخاديد دلتا مصلحة الفرد الساعي لها.

من منطلق سائد عام: إن الفرصة الذهبية الرامية إلى إحداث تغيير نوعي أفضل في المستقبل القادم لحياة الفرد، تمر ببريقها الخاطف كمر السحاب، فمن اغتنمها ظفر وانتصر؛ ومن فاتته، خسر وبسر؛ وفي بعض الأحيان، تستقطب الهرولة الهوجاء، تِباعًا وجِزافًا، مُبتغيها؛ ليسبح - بمدها الجارف، ويصارع مداها الشاطح - عكس التيار المتدفق، غير آبه بنتائج خسارته المنتظرة، أو مُكترث لفقدان أهدافه المأمولة؛ ليعود بعواقب جسيمة، ويُمنى بنتائج وخيمة، ويُصار إلى نهايات غير مُرضية أو محمودة؛ يتمنى عقبها أصالة، بحسرة وحرقة، أن لم يستقل بحماقة ثائرة، ولهفة متسرعة، مركبة تلك الهرولة الزائفة، بتهور صارخ؛ ولم يشترك مندفعًا، أو يحرِّك ساكنًا، بطيش فاضح، في الانخراط الطوعي في جادة ”ماراثون“ سباق الهرولة المتعسر الخاسر!

أما ”العرقلة“ في جانبها المتيقظ المترصِّد: فتعني الإخلال وتعطيل نظام سريان أمر ما؛ أو انتهاج النكوص الذاتي؛ أو التمسك الشخصي بالإحجام المبدئي لقبوله؛ أو الامتناع المستعصي عن أدائه؛ وبالتالي الوصول، إلزامًا وإجبارًا، إلى بوابة مرحلة من الفوضى والازدحام؛ حيث لا يسعى الفرد جاهدًا إلى تمحيص أمر ”العرقلة“ بعناية ودراية؛ ولا يعيره اهتمامًا مُدروسًا، عند غربلة و”فلترة“ بريقه الجاذب، ولا يكترث لأثره المكدود؛ لعدم إلمامه الشامل، وفهمه التام بمردوده النفعي المشرق، أو ضرره الكَامن المُحدق في عمق صميم جعبة ذلك الأمر المؤرِّق، جملة وتفصيلًا؛ إذ ريثما يقذفه، بمضض وسخط، بكامل أحشائه، لأول وهلة، في قاع النسيان الأحمق، ولاحقًا يتفادى دفق بريقه النابض، كلما دبَّ صداه المجلجل؛ وتسلل أنينه المدوي طنينًا صاخبًا في نواصي مُخيلته، بإغراء ونداء متجددين!

هذا، وعند أعتاب الاقتراب اليقظ، ومُلاقاة مشارف المواجهة الضاغطة، وجهًا لوجه، بعروض صفقة انتحال ”ميكانيكية“ المصطلحين المتنافرين: «الهرولة والعرقلة» قد لا يظفر، ولا يغنم المواجه الطامح إلى نيل مكاسب إيجابية ملموسة، عند اختيار أحد المسارين المتجاذبين: إما بهرولة رَشيقة، أو بعرقلة مُعيقة؛ وعادة، ما تلعب ثقافة ووعي وحماسة الشخص المواجه، وكفاءة مقدرته العقلية، وسلامته صحته النفسية معًا، عند اقترابه الحذِر، لأول مرة، من جادة مُفترق طريقي الهرولة والعرقلة؛ لتحديد موقعه الٱمن بحزم؛ ورسم مسار خارطة طريقه الساكن بعزم… ومن المفيد والسديد، أن يتسلح المواجه عينه ببنود الحكمة القائدة، ويتزود بمزايا الفطرة الرائدة، استعدادًا واستنفارًا؛ للاهتداء الواضح بدليل أبجديات السير الرشيق المتئد، واتخاذ القرار الصائب، واقتفاء المورد الرافد؛ وأن يستعين الفرد المواجه ذاته، في غمرة المد، وزحمةالجزر، بالسعي الجاد المتأن إلى انتهاج مُعطيات أصالة الرأي الحكيم؛ وقبول مُداولات الفكر القويم، قبل الشروع الشاطح في السير العشوائي المتخبط في متاهات الهرولة الرعناء الموصلة إلى نتائج ضبابية مجهولة بمسالكها الشائكة، ومحفوفة بظلمتها الحالكة؛ لينتهي مشوار سيره المعاكس إلى سُوء مآل؛ ويؤوب إصراره المتعنت إلى أرذل حال، لا يُحمد عُقباهما"… ويعود العاثر الخاسر، بكرَّة وكبوة أخرى، في نهاية مطافه، متأبطًا خفي حُنين!

وفي دوامة العصف القاصف، وشدة التيه المدوي، يلزم على المواجه الراشد اتخاذ القرار القائد الرائد صادقًا؛ لاجتياز ”مطبات“ العرقلة المعترضة بامتياز - في وسط الطريق - كمنقذ رادع؛ لحسم ضبابية الموقف المتأزم؛ وفصل همجية السعى المتئد عن عشوائية طريق تعرية ارتطاماتها الناتئة المتكررة؛ وبث روح الانتباه اليقظ طواعية، بوضع النقاط المضيئة فوق أعالي رؤوس الحروف الذهبية، بعد أن تنحسر عُرضًا مُهيجات طمسها القامعة؛ وتتآزر جانبًا مُحفزات وأد واستئصال شموخ الهرولة المزيف، من جذورها المتأصلة؛ لتذهب بريحها النتنة بانكسار، ودون رجعة؛ لتجود مُعطيات الغربلة الكاسحة المنصفة، وتندى مكتسبات الانتقاء المسلكي الحصيفة، في مُتسع ضفافها الآمنة، باصطناع نسقٍ راقٍ من مطبات عقلانية واسعة؛ وتدلي مخرجاتها البِكر مجددًا، بحيثيات ذات الصلة الأكيدة الوثيقة، بعرقلة حاسمة قاصمة، لمساعي الهرولة العرجاء؛ لتضع طوعًا بصماتها الواضحة في ذيل رقاع وثيقة الكف الرادع عن التوغل الجائر قُدُمًا في دهاليز ومتاهات الهرولة؛ وتؤسس لاحقًا بوادر الامتناع القاطع، قبيل الشروع أو الضلوع في لجة الأمر الضاغط، الذي يراه المواجه لِصًا مُتربصًا؛ ليسرق ويمرق، باستغفال مُبَيَّت، ويلوذ بحماقة بَلهاء، ما يملك من مال وحلال غصبًا. وفي هدأة دفاف تلك الحَبكة المتنامية، فلينتبه الغافلون؛ وفي هَجعة الليل الأليل فليستيقظ النائمون؛ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ويرضى!

هذا، وفي خضم مساعي الهرولة البغيضة، وتنامي أسواط العرقلة المعترضة، في، طول وعرض، تجاعيد وجوه تثبيط وتعطيل خُطى الهرولة المنفلتة، لا بد أن يلتزم الفرد المنظور مهتمًا باستهلال واستشراف أمور المكاشفة الشخصية؛ ويلجأ، جاهدًا مجتهدًا، إلى تفعيل شؤون المحاسبة الذاتية أولًا، ثم يُلقي بجسم شِباك صَيده الحُر، بأريحية وشفافية، بعيدًا في عُرض البحر اللجي، ويتنحى مسافة كيل؛ ليرى ويبصر تداخل وتناغم واضطراب ألسنة الموج الزرقاء المتلاطمة؛ ويتأمل منابع العظمة المتجلية؛ ويتدبر مَواطن الكبرياء الشامخة؛ ويستشعر مواهب القدرة الإلهية، عن كثب؛ لكي يزن شذرات الأمور الزاحفة المتواردة، كقطع الرعد القاصف، إلى أقاصي فكره، والطارقة الظافرة، باستئذان مُتأدب، للولوج السلس إلى شرائح تلافيف مُخيلته، بزهو وأريحية، بمستجداتها القشيبة مِرارًا؛ ويزنها المستيقظ - من سَكرة الهرولة الحمقاء - بموازينها الصحيحة إنصافًا؛ ويكيلها بمعاييرها الحصيفة تَكرارً، من على صهوة ظهر قاربه الأنيق… فلا ضَرر مُحتضر مُنتظر، يثني عزيمته الصلبة؛ ولا ضِرار فار مارق، يضيِّق صدره المتسع؛ ولا حسرات موجعة مفجعة، تؤرِّق فِكره المُتوقد؛ ولا حُزن عائم جاثم تبيَض له عيناه الساهرتان؛ ولا ندم مُحتدم يفتك بنضارة مُستقبله المقبل؛ ليغنم وينعم بتسليم الأمر، بأوج رمته، وطوع زمامه، إلى قدرة خالقه، الواحد القهار، بعد محاسبة ومكاشفة النفس المتقلبة الأهواء والمطالب؛ والمتعددة الأماني والمشارب… وأن يؤوب العبد الآبق ساعة رائقة من نهاره، إلى كنف ربه، مُحتسبًا ريع الهداية؛ وطالبًا كرم الرعاية؛ ومُستجديًا شآبيب الرحمة؛ ومُسترحمًا فيوض المغفرة؛ وأن يسعى مُثابرًا جَادًا، بهمة وشجاعة دائبتين، إلى تنقية وتصفية نسيج بطانته الصالحة، بمشيئة ربه دومًا؛ ليرتقي، بدراية وحكمة، إلى بُلوغ مُستويات الصلاح، ونيل مَراتب الإصلاح، وصعود درجات الفلاح، بلياقة أنيقة، ولباقة رشيقة؛ وفي سُوح ذلك المسعى الحثيث الطموح؛ وعلى خشبة مَسرح المُبتغى الواعد النصوح، فليتنافس المتنافسون. وبالله التوفيق، ومنه نستمد مَديد العون؛ ونطلب نَفيس السداد؛ ونستلهم خَالص الدعاء!