آخر تحديث: 17 / 6 / 2021م - 10:27 م

سؤال الشعر بين الهوية والإنشاد

محمد الحرز * صحيفة اليوم

لا سؤال أعظم من سؤال الشعر بوصفه سؤال البدايات، ولا أصعب منه. وإذا ما سرت معه، إما أنه يفضي بك إلى مصيدة محكمة الصنع، فلا ترجو سوى التخلص منها، لاعنا الطريق والسؤال نفسه، أو أنه يفضي بك إلى مغارة فيها كنوز علي بابا الثمينة، فلا تشعر بتعب الطريق ولا بالتيه في صحراء السؤال الشاسعة.

كل بداية في الحياة حدث، تسبقها فكرة تتضخم بعده إلى فكرة أوسع وأشمل إلى الحد الذي تبدل فيها ملابسها، وتعتني بمكياجها، ثم توزع فيها التأثير على البلدان والثقافات والأشخاص.

منذ أزمنته الأولى، والشعر العربي حدث، وككل حدث لا يصمد أمام زمنه، ولا يقاوم مده وهيجانه، فيصير له بين فينة وأخرى انقطاعات، يعود بعدها وينشط، إذا أسعفته ظروف الحياة، وإلا يذوي ويموت مثله مثل الآلاف من الأحداث التي تعبر حياة الإنسان وثقافته، ولا ترجع.

بيد أن الشعر العربي حدث نزل منزلة الذاكرة في حياة العرب ولم يخرج منها، والشعر في ذاكرة شعوب العالم هو إنشاد وغناء بالدرجة الأولى، يختلف باختلاف اللغة والثقافة والحضارة بينما عند العرب أصبح إنشادا وهوية أيضا، لا تنفك تحضر بقوة كلما مُنوا بالهزائم والانتكاسات في مسيرة حياتهم التاريخية.

يقول الجاحظ «159 هـ - 255 هـ » في كتابه «الحيوان»: «وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلم بلسان العرب»

إن الاعتقاد السائد عند العرب وقتذاك، هو أن الشعر ميزة خاصة في لغة العرب بامتياز «وفن من القول» لا تشاركهم فيه بقية الأمم والشعوب، وما قاله الجاحظ، قاله الكثير من النقاد القدماء.

ولست هنا في موقف التفصيل في الأسباب التي أفضت إلى مثل هذا الاعتقاد عندهم. لكن ثمة سببان مهمان الأول منهما هو ما يتصل بالخصائص التي تميز الشعر عن النثر، وتشمل عناصره الفنية وأثرها الذي تتركه على السامع، أو بلغتنا النقدية الحديثة، أفق التلقي في النص. بينما الآخر يرتبط بخطاب شفهي يشمل المجال الثقافي والديني والاجتماعي والسياسي بحيث يعكس التكوين البيئي والمناخي الذي عاشه العربي في وسط صحراء واسعة قاحلة، تضاريسها وسهولها وجبالها ووديانها انطبعت في شخصيته من العمق.

فإذا كان السبب الأول أضاف خصوصية متوهمة على الشعر عند العرب، فإن السبب الآخر عمق هذه الخصوصية، كون الشعر هو في قلب خطابهم المتداول بوصفه حاملا عاداتهم وتقاليدهم وآمالهم ومفاخرهم وأحزانهم وأفراحهم ومعتقداتهم، أي بالنهاية هي هويتهم الجامعة المانعة. لذلك لا بد أن ترتقي لمستوى الفضيلة كما ادعى الجاحظ.

انطلاقا من هذه الفكرة أسأل:

ما وجه الارتباط بين إنشاد الشعر من جهة، وخطاب الهوية من جهة أخرى؟

لقد درجت التقاليد الشعرية العربية على اعتبار ملكة الحفظ قرينة عظمى على سر الإبداع عند الشاعر وسر تألقه، وهناك من الشواهد التي لا تعد ولا تحصى، في تراثنا الشعري حول شعراء كبار استوعبوا هذه الملكة وطبقوها على أنفسهم بحذافيرها قبل أن يصبحوا شعراء مشهورين كقصة الراوية خلف الأحمر مع أبي نواس، على الرغم مما ينسب إلى خلف الأحمر وحماد الراوية من كثرة الكذب والانتحال على الشعراء، إلا أن دلالات القصة لا تخرج عن التصورات التي كانت سائدة في تلك الفترة عن العلاقة القائمة بين ملكة الحفظ والشعر.

فإذا ما كان الشاعر من شعراء القرن الثالث الهجري أيام الدولة العباسية على سبيل المثال، فإن عليه أن يحفظ مدونة الشعر الجاهلي ثم مدونة شعراء صدر الإسلام ثم شعراء الدولة الأموية ثم ينساها جميعها، حتى يمكنه أن يصبح شاعرا منشدا.

وما ينطبق على شاعر القرن الثالث الهجري، ينطبق أيضا على شعراء القرون اللاحقة. لكن الفرق بينهما هو اتساع خريطة الشعر والشعراء كلما تقدم الزمن، مما يصعب على اللاحق مهمة تفعيل ملكة الحفظ إذا ما أراد أن يختار بين هذا الشاعر أو ذاك، دون أن يفضي به ذلك إلى الحيرة والاضطراب.