آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 10:50 ص

الحل السياسي في البحرين

أيمن رجاء النخلي *

المطالبات الشعبية قد لا تنتهي، وقد يكون هناك منها الغث والسمين، وقد تكون مطالب فئوية أو فردية فتكون سبباً للانقسامات والاختلافات، وقد تكون محدودة الفوائد، وقد تكون مطامع لا مطالب، فهذه المطالب قد تمثل إرادة الشعوب، أو أنها لا تمثلها. فهي بذلك قد تكون سبباً للإصلاح أو سبباً للفوضى. وهناك دائما مجال للإصلاح والتطور على جميع الأصعدة، فالقضية ليست وقتية وإنما هي حاجة مستمرة، لابد وأن يكون لها آلية صحيحة لضمان الحصول على نتائج إيجابية بشكل مستمر. وإذا لم تحدد هذه المطالب بشكل دقيق وتكون عبر قنوات شرعية فإنه لن يكون هناك أي تقدم وإصلاح، هذا إذا كان هدف الجميع هو الإصلاح في الأرض وليس الغلبة.

ومن جهة أخرى إذا لم تكن هناك آليات لسماع المطالب الشعبية وتحقيقها، وهم مصدر القوة الحقيقية للدول، فإنه سوف تنتج فوضى وفجوة كبيرة بين السياسيين والشعوب، وبذلك تكون الدول والشعوب هما الخاسر الأكبر. فقد تستغل مثل هذه الفجوات من قبل جهات خارجية تكون لها مطامع في مدخرات تلك البلاد، أو تريد إنهاكها أو تدمير البنية التحتية فيها، لإعادة بنائها، واستغلال ثرواتها.

الآلية الصحيحة لسماع صوت الشارع والإستجابه له هو البرلمان، فعلى الحكومات إصلاح البرلمانات لكي تعكس صوت الشعوب، ولمواكبة التغيرات الحديثة على مستوى العالم. ولكي تفوت الفرصة على الجهات التي تتلاعب بإرادة الشعوب وتجعل منهم أدوات تحركهم كيف تشاء عن طريق الزخم الإعلامي الموجهة. وعلى الشعوب إذا أرادة الإصلاح أن توحد مطالبها في مطلب واحد وهو إصلاح البرلمانات. وأن تقدم مطالبها عن طريق البرلمانات لكي تصبح مطالب شرعية تمثل إرادة الشعوب. فإذا صلحت البرلمانات، فهي الوسيلة الصحيحة لتحقيق المطالب الشعبية. وبذلك يفوت الطرفين الفرصة على المخربين والذين يصطادون في الماء العكر، أو الذين لا مطامع لهم سوى المطامع الشخصية، أو أصحاب الأجندات الخارجية.

السياسيين لابد وأن يكسبوا رضى الشعوب لأنهم مصدر القوة والشرعية الحقيقية لهم، وهذا يضمن التطور والعزة والازدهار لأي بلاد بشكل متسارع، ويحفز الجميع إلى العمل وخدمة تلك الأمة، ويمكّن من القيادة الأفضل.

بعد المواجهات التي دامت لأكثر من سنة في البحرين لابد وأن يكون هناك حل سياسي تتجاوز به البلد الأزمة، ويكون سبابا للإصلاح يرضي جميع الأطراف ولو بالمقدار الأدنى. ولأجل ذلك لابد من توظيف مفاوضين على درجة عالية من الكفاءة لحلحلة حالة التأزم، وفتح مجال لتقديم التنازلات والوصول إلى حل إيجابي يجنب البلاد مزيداً من المشاكل والفرقة والتأثر الاقتصادي السلبي، ويعصمها من التدخلات الأجنبية. فعلى المعارضة أن تعود إلى البرلمان وتقدم مطالبها عن طريق البرلمان وهذا ما يعطي الشرعية للمطالب، ويحدد مدى تمثيل هذه المطالب لما يريده الشعب. ومن جهة أخرى يمكن الجكومات من التعامل مع هذه المطالب التي سوف تكون محدده.

ما حدث ومازال يحدث في البحرين على مدى أكثر من عام هو في البداية درس سياسي لجميع الأطراف، ليأخذوا منه العبرة، ويتقبلوا الحقائق، ومن ثم يتغيروا. فلابد أن يقبل جميع الأطراف بقصوره، ويقبل بالمرونه لحلحلة الأزمة. وأن لا يتشبث كلّ طرف برأيه.

لعل الدرس السياسي الذي لابد وأن يدركه الجميع بشكل عام هو أن الشعوب ضمانة الدول، وهو خط الدفاع الأول عن أي بلد، وهو الثروة الحقيقية، وأن التناغم السياسي الشعبي هو الذي يحقق القوة والتطور والإزدهار، وأن السياسيين الذين لا يملكون إرادة الشعوب فموقفهم ضعيف جداً. فلابد أن لا تكون هناك ثغرات أو أزمات حقيقية يتسلل من خلالها الأجانب فيسمموا أفكار الشعوب، ويتلاعبوا بإراداتهم، أو تكون سببا للإحباط واليأس، ومن ثم عدم العمل والبناء. فاللوم قد يقع على عاتق المسئولين إذا كان هناك تقصير في هذا الجانب او ذاك، وإذا لم يكن هناك آلية لسماع صوت الشعوب، والاستجابة لمطالبهم الحقيقية. فلابد أن يكون هناك آلية شفافة وصادقة لسماع صوت الشعوب والاستجابة لمتطلباتهم، وعدم التطبيل للذات والتصفيق للنفس.

الدرس الثاني للشعوب، وهو عدم الاعتماد على الأجانب الذين يعطون الوعود البراقة لإحداث أي إصلاح أو تقدم، فالأجنبي ليس بحريص إلا على مصالحه الشخصية. وكذلك على الشعوب أن تتحلى بالوعي، وأن لا تكون ساذجة، وحتى لو كان لها مطالب، فلابد أن لا تكون مطية للإرادة الأجنبية، وخادمة لأجنداته مهما توافقت الرغبات. فالأجنبي لا يريد الإصلاح بل الإستغلال. وليست القضية هي أن يرفع كلّ إنسان أو كل طرف مطالب له لتحقيقها، فإن ذلك لا يعطي أي غطاء شرعي لتلك المطالب، وأنما تستمد الشرعية لأي مطلب من خلال مجلس الشعب أو البرلمان.

يسمى العصر في هذا الزمن بعصر المعلومات، وبالسيطرة على مصادر المعلومات تستطيع أن تتلاعب بأسلوب تفكير البشر، ومن الممكن أن تمزقهم، وتفتك بهم، وتضربهم بعضاً ببعض، وكأنهم منومين مغناطيسياً. لذلك على الجميع أن يتحلى بالوعي، ولعل الدور الأكبر يقع على عاتق المثقفين والإعلاميين في توعية الناس بعدم الإنجرار خلف الإعلام الخارجي، والتحلي بالوعي، وكذلك على السياسيين أن يتحلوا بضبط النفس إلى أبعد حد.

هناك فرق شاسع بين الإصلاح والهدم، وبين المصلحين والمفسدين. فالمصلحون هم الإيجابيون سياسياً ويعملون على إصلاح أي نظام عن طريق القنوات المشروعة كالبرلمانات مثلاً. والمفسدون هم الذين يسعون إلى إسقاط الأنظمة. وهناك فرق شاسع بين إصلاح النظام، وبين هدم النظام وإسقاطه، ولعل هذه الشعارات هي شعارات أجنبية تم الترويج لها في العالم العربي إعلامياً. ولقد كان جميع المصلحين في الأرض والأنبياء والرسل يسعون إلى إصلاح الأنظمة الاجتماعية لا هدمها.

أخيرا: الإصلاح يكمن في إصلاح البرلمانات، لأن البرلمانات تمثل صوت الشعوب وهو الممثل الحقيقي للشعب، وهو الذي يحدد المطالب الحقيقية ويعطي لها الشرعية، وهو الذي يوحد الشعوب ويحول دون تمزيقها وتفتتها، ويحول دون تدخل الأجانب وتأثيراتهم الإعلامية لخداع الشعوب.

«وتفضل على الأمراء بالعدل والشفقة، وعلى الرعية بالإنصاف وحسن السيرة » الإمام المهدي

كاتب من المدينة المنورة