آخر تحديث: 27 / 7 / 2021م - 3:38 م

عندما تعترف الصحيفة بفداحة أخطائها

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

العيب أن يسترسل في أخطائه، مبرئاً بذلك ساحته، ومحملاً الآخرين مسؤولية الخلل، وحتى إذا اكتشف بأنه مخطئ؛ فهل يمتلك هذا الإنسان شجاعة التراجع والاعتذار عن الخطأ؟ أم أنه يصر عليه؟ في الأمم المتحضرة يسود هذا الخلق الحضاري على أعلى المستويات، لأن الثقافة العامة والأجواء الاجتماعية تدفع بهذا الاتجاه.

قبل أيام احتفلت صحيفة «الجارديان» البريطانية بمرور 200 سنة على صدورها، ولكن احتفالها هذه المرة كان بحلة جديدة وغير مألوفة، فهي لم تتحدث عن إنجازاتها كصحيفة في قوتها ونقاط تميزها وأهم أعمالها بل تحدثت في احتفاليتها عن أسوأ الأخطاء التي ارتكبتها خلال عملها على مدار قرنين، ولك أن تتخيل أن مؤسسة تغوص في ماضيها الصحفي باحثة عن أخطائها ليس من أجل تبريرها بل من أجل تشخيصها بعين فاحصة، وهذا يحسب للصحيفة حيث ذكرت في تقريرها: «لا تستطيع صحيفة يومية النشر لمدة 200 عام من دون أن تخطئ في بعض الأمور». تعالوا معي لبعض الأمثلة التي تعد من أكبر الأخطاء الفادحة التي أدرجتها «الجارديان» في احتفاليتها، مثل نشر خبر غرق سفينة تيتانيك المعروفة كانت في مساحة صغيرة وضيقة في عام 1912، موقفها المعادي لإبراهام لنكولن في ستينيات القرن التاسع عشر، فقد كان لينكولن في نظر الصحيفة محتالًا وتعامل مع تحرير العبيد على أنه أمر قابل للتفاوض، لأنه وقف في طريق وحدة الولايات المتحدة، حتى أنها قالت في تعليقها على انتخابه: «من المستحيل ألا تشعر أن انتخاب ذلك الرجل كان يومًا سيئًا لأمريكا والعالم»، ومن الأخطاء التي اعترفت بها الصحيفة كذلك تأييدها للقوات الكونفدرالية الأمريكية، وتأييدها لقمع الانتفاضة الشعبية بالهند في 1875، وتأييدها لقمع الحراك في أيرلندا، ووقوفها ضد النساء المطالبات بالتصويت، وغير ذلك. وفي نظري من أعظم الأخطاء فداحة التي اعترفت بها الصحيفة احتفالها ودعمها لوعد بلفور عام 1917 وذكرت «عندما وعد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك، قبل 104 سنوات بالمساعدة في إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين غيرت كلماته العالم». وذكرت في التقرير: أن استماعها إلى أنصار الصهيونية أعماها عن حقوق الفلسطينيين، وأشارت إلى أن إسرائيل اليوم ليست هي البلد الذي تنبأت به صحيفة الجارديان، لقد أخطأت الصحيفة خطأ فادحا!

قد يقول أحدهم ما قيمة هذا الاعتراف الآن؟ في نظري مزامنة الاعتراف مع عودة الهجمات الإسرائيلية تعيد القضية للمربع الأول، وأن ثمة تحولات في الوعي الغربي تجاه قصة أصحاب الأرض الأصليين ومغتصبيها، خاصة أن هناك كثيرا من المنظمات الأوروبية تصل لأكثر من 3 آلاف حركة مجتمع مدني عالمية تدين الحركة الصهيونية، وتتضامن معها منظمات أمريكية تصفها بالحركة العنصرية، وقد أطلقوا عليها نظام «الأبارتايد» تشبيها بالنظام العنصري البائد في جنوب إفريقيا، وهو التعبير ذاته الذي استخدمه الرئيس «نيلسون مانديلا» فقد كان مدركا في فترة كفاحه أوجه الشبه الكبيرة بين قضية بلاده والقضية الفلسطينية، فكان من أوائل الذين ربطوا بين جرائم إسرائيل وجرائم نظام «الأبارتيد» العنصري في جنوب إفريقيا، حيث قال في إحدى خطبه «إن «الأبارتيد» جريمة ضد الإنسانية وإسرائيل حرمت ملايين الفلسطينيين من الحرية والملكية، واتبعت تمييزا عنصريا بشعا... وشنت حربا على المدنيين وخصوصا الأطفال».