آخر تحديث: 13 / 6 / 2021م - 12:14 ص

يوم اعتيادي آخر 4

أثير السادة

ذات الطريق يأخذك في أول الصباح من دفتر الحلم الذي لم يكتمل، كانت الشمس تنثر أشعتها بسخاء، تلون الفضاء بلون أصفر باهت تبتهج له أعناق النخيل، نحن الآن على باب القيظ، موسم ينضج فيه الليمون والرطب واللوز، تذكر نفسك وأنت تمني النفس في هواء بارد كالذي يداعب وجهك داخل السيارة.

لا يكف العابرون بسيارتهم عن الركض في الطريق، تراقبهم في كل المرايا خشية أن يعكر صفو يومك عابر كالشهاب الراصد، تشعر لوهلة أنك في سرب سيارات إسعاف، كلما ملت يسارا وجدت من يندفع كالسهم ليأخذك إلى اليمين ثانية، كائنات أطلقت ساقها للريح وهي تقصد وجهتها المعلومة في كل صباح، كثير منهم، لا.. دعني أقول معظهم، أو بعضهم، يفضل الخروج والوصول إلى وجهته قبل الموعد بدقيقة، أو ربما خمس دقائق.. ليجعل من مهمة الوصول مسألة حياة أو موت.

أتخيل القوارب الغافية على مرفأ صفوى وأنا أتلون بزرقة البحر، هذا الرفيق الدائم في مشواير الصباح، لا ظل لها اليوم ولا ظل لطائر تاه عن السرب، لا شيء سوى بقايا المد الذي يغسل أطراف المكان في انتصاف الشهر.. أمضي خفيفا إلى وجهتي، في حذر دائم من كاميرات معلقة وأخرى تتربص على أطراف الطريق، اليقظة الدائمة شرط السلامة من هذه الألغام، تتقمص شخصية السائق المثالي لتتجنب فجيعة الغرامات.

بيني وبين الدخول لموقع العمل الآن بوابة، وصوت فيروز الذي مازال ينادم كل الصباحات، يتفحصك رجل الأمن هناك، لا يجد من صورتك إلا عينيك المتعبتين من وهج الشمس، الكمامة تغطي نصف الوجه، فلا يبقى له إلا التمقل فيك وفي البطاقة التي ستبرزها لإثبات أنك أنت، ما أصعب هذه القراءة في كتاب الناس، كتاب مشفر لم يبق من سطوره إلا العينين!.

على الطريق، ياقات خضراء لا تخلو من سحنة هذه الأرض، وجوه شابة، لا يبدو أن النجاح قد طل من شبابيكها، أحدهم يحمل ماكينة نفخ كهربائية لطرد الأوراق المتساقطة من الشجر الممتد بطول الحي السكني، آخر يقطع الزائد من أغصان الشجر، وثالث يمسك بمشط حديدي لتسوية العشب عند الشاطئ.. ذلك المنظر يأخذني إلى صورة جدي قبل أكثر من 50 سنة وهو ينشغل في أعمال البستنة هناك، كان نور العلم ضيئلا في زمناهم، ولا ساحة للدرس إلا البحر والنخيل، لم يعرفوا المدارس النظامية في طفولتهم، اليوم بحر العلم واسع، ونوافذ الدرس كثيرة، غير أن البعض لا تعرف أحلامه إلا لحظات الجزر.

منشغلا في عد خطواتي وحساب الشهيق والزفير، أمضي الدقائق الأولى من الصباح في مصافحة الشاطئ كعادتي، هناك أفكر في هذا الأفق الواسع وكل ما فيه من غموض، ما يشف عنه وما يخفيه، هذه السنوات التي تركض بمثل ما نركض معها، هل ستأخذنا إلى ساحل أحلامنا، أم ستترك الكثير منها في قيعانها.. يباغتني رذاذ ماء السقاية، وهو يندفع في موعد لا يخطئه، يبدد صمت المكان قليلا، قبل أن تسرقه الغربان بنعيقها الذي يذكرني بانتهاء فسحة الصباح.