آخر تحديث: 13 / 6 / 2021م - 12:14 ص

النهضة العربية.. اندماج أم اتحاد؟

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

تأثرت حركة اليقظة العربية بنتائج الحرب العالمية الأولى، وبشكل خاص بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 ووعد بلفور عام 1917، فقد أسست اتفاقية سايكس - بيكو لتقسيم سوريا الكبرى إلى أربع دول هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وانطلق قادتها من أهمية الكفاح ضد السلطنة العثمانية، وحملوا على عاتقهم مسؤولية التصدي لتبعات تقسيم المشرق العربي، وبرزت القومية العربية عقيدة تعبوية وكفاحية لتحقيق الوحدة العربية، وجرى تعريف القومية العربية على أنها الهوية الجامعة لأفراد ينتمون لأرض واحدة تمتد من الخليج إلى المحيط، يجمعهم أنهم ناطقون بالعربية، وينتمون إلى جغرافيا وتاريخ مشترك.

تم النظر في حينه من قبل المنظرين القوميين بشكل عدائي وصريح إلى الهويات الأخرى، بما في ذلك الهويات الوطنية كونها نتاج مشروع التجزئة، وفي حينه تم النظر للمجتمعات العربية، على أنها مجتمعات كسيحة وعاجزة عن الاضطلاع بمشاريع التنمية ونقل المجتمع العربي، ليكون في مصاف الأمم الراقية. لقد ظل تحقيق الوحدة، من وجهة النظر هذه، مفتاحاً لمعالجة كل المشاكل، وتحقيقها يتم من الأسفل إلى الأعلى، نتيجة تلاقح بين حركات التحرر الوطني التي قادت الكفاح ضد الاحتلال، وأن الحل يكمن في الاندماج التام للأقطار العربية، وأن ليس هناك ما يمنع العرب من تحقيق ذلك، طالما يجمعهم التماثل في اللغة، والثقافات والعادات والمصالح المشتركة، لكن التطور التاريخي أثبت عدم دقة هذه النظرة، وحتمية تجاوزها إذا ما أريد لهذه الأمة التقدم والنماء، فالبلدان العربية لم يتشكل معظمها بإرادات خارجية كما نظر له، فكثير منها من صنع التاريخ، ومضى على بعضها، بسياقها الحالي، آلاف السنين.

الوحدات السياسية، تأتي لتلبي الحاجة لواقع موضوعي، والمجتمعات الإنسانية لا تتماثل حتى وإن جمعتها لغات وثقافات مشتركة. إن وجود لغات وثقافات مشتركة هو عامل مساعد لقيام وحدات سياسية واقتصادية، ولكنها بمفردها لا تحتم تحقيق ذلك، فقانون الوحدة هو التفاعل والتكامل وليس التماثل.

إن اعتبار الاندماج شرطا لمعالجة التخلف والانطلاق للبناء والتنمية ليس أكيداً لأن التفاعل يتم بين أجزاء صحيحة. إن الطرح القومي التقليدي يعفي الدولة الوطنية من مهامها التاريخية ويقدم المبررات لتقصيرها لأنها وفقاً للتصور الوحدوي التقليدي لن تكون قادرة على تحقيق مهام النهوض إلا في ظل دولة الوحدة.

النظرة النقدية الواقعية لرؤية المشروع النهضوي التقليدي للهوية، تعتبر الدولة الوطنية هوية جامعة، وليس مجرد هوية فرعية. إن ذلك يفترض فيها أن تنهض كدولة مستقلة بمجتمعاتها على كافة الصعد، وأن تلبي حاجة مواطنيها من صحة وتعليم وسكن وأمن ورخاء، وتأمين لمستلزمات الدفاع عن الوطن، وما يستوجبه ذلك من بناء جيش قوي وأجهزة أمنية حديثة، وما إلى ذلك من مستلزمات بناء الدول العصرية، وأن الوحدة ضمن هذا السياق تأتي تلبية للاحتياجات الوطنية، ومتطلبات النهوض بالمجتمعات العربية.

العلاقة بين بلدان الأمة، ينبغي أن تكون تكاملية، حيث يعج الوطن العربي بطاقات حية، وثروات مختلفة، وقدرات بشرية متباينة، من حيث الكم والخبرات، بما يعني أن التكامل بين هذه القدرات من شأنه أن يوجد كياناً عربياً قوياً بما يلغي مقولة التماثل.

هذا التطور الجديد لمفهوم الهوية، يعني أن مقولة قوة الأمة في وحدتها، لا تعني بالضرورة، تحقيق وحدة اندماجية بين الأقطار العربية، فما تحتاجه الأمة هو تلبية حاجات الناس ومتطلباتهم واستحقاقاتهم في الحرية والكرامة، والتنمية والنمو الاقتصادي، وفي هذا السياق جرى التنظير لنظام عربي، لا مركزي، يتجه نحو أنموذج سياسي عملي وواقعي، يستلهم من نماذج الاتحادات، التي شهدها العصر الحديث، حيث لا تناقض بين الهوية الوطنية، وهوية الأمة، بل تكامل وتفاعل بينهما، فيغدوان مصدر قوة وحيوية للأمة بأسرها.

ويمكن أن يتحقق الاتحاد بين البلدان العربية، بشكل تدريجي، يشمل القضايا الأساسية، المرتبطة بالحاجات اليومية للبشر، فيكون البدء على سبيل المثال بالوحدة الاقتصادية، وبتوحيد الأنظمة الجمركية، والكهرباء، ومد السكك الحديدية، واستكمال ما بقي من خطوط المواصلات البرية والجوية، ويتم ذلك أيضاً من خلال إحياء معاهدات واتفاقيات وقعها القادة العرب في شؤون الأمن والدفاع، وبقيت لعدة عقود دونما تفعيل، شرط أن يتحقق تفعيل ذلك وفق سياقات وطنية وبإرادة حرة ومستقلة.

هذا المنظور بالوعي هو استجابة للتطور التاريخي، الذي يتجه بثبات نحو اقتصادات الأبعاد الكبيرة والكتل التاريخية، وهو وعي يضعنا في المكان اللائق بين الأمم بما يحقق تطلعات الجميع في مجتمع عربي قوي يكون الإنسان عماده وركنه الأساس.

اتحاد

تأثرت حركة اليقظة العربية بنتائج الحرب العالمية الأولى، وبشكل خاص بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 ووعد بلفور عام 1917، فقد أسست اتفاقية سايكس - بيكو لتقسيم سوريا الكبرى إلى أربع دول هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وانطلق قادتها من أهمية الكفاح ضد السلطنة العثمانية، وحملوا على عاتقهم مسؤولية التصدي لتبعات تقسيم المشرق العربي، وبرزت القومية العربية عقيدة تعبوية وكفاحية لتحقيق الوحدة العربية، وجرى تعريف القومية العربية على أنها الهوية الجامعة لأفراد ينتمون لأرض واحدة تمتد من الخليج إلى المحيط، يجمعهم أنهم ناطقون بالعربية، وينتمون إلى جغرافيا وتاريخ مشترك.

تم النظر في حينه من قبل المنظرين القوميين بشكل عدائي وصريح إلى الهويات الأخرى، بما في ذلك الهويات الوطنية كونها نتاج مشروع التجزئة، وفي حينه تم النظر للمجتمعات العربية، على أنها مجتمعات كسيحة وعاجزة عن الاضطلاع بمشاريع التنمية ونقل المجتمع العربي، ليكون في مصاف الأمم الراقية. لقد ظل تحقيق الوحدة، من وجهة النظر هذه، مفتاحاً لمعالجة كل المشاكل، وتحقيقها يتم من الأسفل إلى الأعلى، نتيجة تلاقح بين حركات التحرر الوطني التي قادت الكفاح ضد الاحتلال، وأن الحل يكمن في الاندماج التام للأقطار العربية، وأن ليس هناك ما يمنع العرب من تحقيق ذلك، طالما يجمعهم التماثل في اللغة، والثقافات والعادات والمصالح المشتركة، لكن التطور التاريخي أثبت عدم دقة هذه النظرة، وحتمية تجاوزها إذا ما أريد لهذه الأمة التقدم والنماء، فالبلدان العربية لم يتشكل معظمها بإرادات خارجية كما نظر له، فكثير منها من صنع التاريخ، ومضى على بعضها، بسياقها الحالي، آلاف السنين.

الوحدات السياسية، تأتي لتلبي الحاجة لواقع موضوعي، والمجتمعات الإنسانية لا تتماثل حتى وإن جمعتها لغات وثقافات مشتركة. إن وجود لغات وثقافات مشتركة هو عامل مساعد لقيام وحدات سياسية واقتصادية، ولكنها بمفردها لا تحتم تحقيق ذلك، فقانون الوحدة هو التفاعل والتكامل وليس التماثل.

إن اعتبار الاندماج شرطا لمعالجة التخلف والانطلاق للبناء والتنمية ليس أكيداً لأن التفاعل يتم بين أجزاء صحيحة. إن الطرح القومي التقليدي يعفي الدولة الوطنية من مهامها التاريخية ويقدم المبررات لتقصيرها لأنها وفقاً للتصور الوحدوي التقليدي لن تكون قادرة على تحقيق مهام النهوض إلا في ظل دولة الوحدة.

النظرة النقدية الواقعية لرؤية المشروع النهضوي التقليدي للهوية، تعتبر الدولة الوطنية هوية جامعة، وليس مجرد هوية فرعية. إن ذلك يفترض فيها أن تنهض كدولة مستقلة بمجتمعاتها على كافة الصعد، وأن تلبي حاجة مواطنيها من صحة وتعليم وسكن وأمن ورخاء، وتأمين لمستلزمات الدفاع عن الوطن، وما يستوجبه ذلك من بناء جيش قوي وأجهزة أمنية حديثة، وما إلى ذلك من مستلزمات بناء الدول العصرية، وأن الوحدة ضمن هذا السياق تأتي تلبية للاحتياجات الوطنية، ومتطلبات النهوض بالمجتمعات العربية.

العلاقة بين بلدان الأمة، ينبغي أن تكون تكاملية، حيث يعج الوطن العربي بطاقات حية، وثروات مختلفة، وقدرات بشرية متباينة، من حيث الكم والخبرات، بما يعني أن التكامل بين هذه القدرات من شأنه أن يوجد كياناً عربياً قوياً بما يلغي مقولة التماثل.

هذا التطور الجديد لمفهوم الهوية، يعني أن مقولة قوة الأمة في وحدتها، لا تعني بالضرورة، تحقيق وحدة اندماجية بين الأقطار العربية، فما تحتاجه الأمة هو تلبية حاجات الناس ومتطلباتهم واستحقاقاتهم في الحرية والكرامة، والتنمية والنمو الاقتصادي، وفي هذا السياق جرى التنظير لنظام عربي، لا مركزي، يتجه نحو أنموذج سياسي عملي وواقعي، يستلهم من نماذج الاتحادات، التي شهدها العصر الحديث، حيث لا تناقض بين الهوية الوطنية، وهوية الأمة، بل تكامل وتفاعل بينهما، فيغدوان مصدر قوة وحيوية للأمة بأسرها.

ويمكن أن يتحقق الاتحاد بين البلدان العربية، بشكل تدريجي، يشمل القضايا الأساسية، المرتبطة بالحاجات اليومية للبشر، فيكون البدء على سبيل المثال بالوحدة الاقتصادية، وبتوحيد الأنظمة الجمركية، والكهرباء، ومد السكك الحديدية، واستكمال ما بقي من خطوط المواصلات البرية والجوية، ويتم ذلك أيضاً من خلال إحياء معاهدات واتفاقيات وقعها القادة العرب في شؤون الأمن والدفاع، وبقيت لعدة عقود دونما تفعيل، شرط أن يتحقق تفعيل ذلك وفق سياقات وطنية وبإرادة حرة ومستقلة.

هذا المنظور بالوعي هو استجابة للتطور التاريخي، الذي يتجه بثبات نحو اقتصادات الأبعاد الكبيرة والكتل التاريخية، وهو وعي يضعنا في المكان اللائق بين الأمم بما يحقق تطلعات الجميع في مجتمع عربي قوي يكون الإنسان عماده وركنه الأساس.