آخر تحديث: 12 / 6 / 2021م - 11:07 م

نعوم تشومسكي: أبو اللسانيات الحديثة .. سيرة مختصرة لمفكر وناقد سياسي

الدكتور أحمد فتح الله *

نعوم تشومسكي «من مواليد 7 ديسمبر 1928» هو لغوي وفيلسوف وناشط سياسي أمريكي. جعلت نظرياته الدراسة العلمية الحديثة لعلم اللغة ممكنة. وهو زعيم في نشاط السلام ومعارضة السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

  • الاسم الكامل: أفرام نعوم تشومسكي
  • المهنة: باحث لغوي وكاتب سياسي
  • تاريخ الميلاد: 7 ديسمبر 1928 في فيلادلفيا، بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية.
  • الزوجة: كارول دوريس شاتز «ت عام 2008»، فاليريا واسرمان «منذ عام 2014»
  • الأولاد: أفيفا، ديان، هاري

الطفولة

كان والدا نعوم تشومسكي، ويليام وإلسي، من المهاجرين اليهود الأشكناز. ولدت الأم إلسي في بيلاروسيا وأصبحت معلمة. فرَّ ويليام من روسيا عام 1913 لتجنب التجنيد في الجيش. عمل في المصانع المستغلة للعمال في مدينة بالتيمور في ولاية ميرلاند عند وصوله إلى الولايات المتحدة بعد التعليم الجامعي، وانضم إلى هيئة التدريس في كلية جراتز في فيلادلفيا.

نشأ نعوم تشومسكي في شراك الثقافة اليهودية، وتعلم العبرية عندما كان طفلاً. شارك في المناقشات العائلية لسياسات الصهيونية «Zionism»، الحركة الدولية التي تدعم تطوير الأمة اليهودية.

وصف تشومسكي والديه بأنهما ”ديمقراطيان تقليديان“، على نهج الرئيس روزفلت «Roosevelt Democrats»، لكن أقارب آخرين عرّفوه على الاشتراكية «socialism» وسياسة اليسار المتطرف. كتب نعوم تشومسكي مقالته الأولى في سن العاشرة عن مخاطر انتشار الفاشية «fascism» خلال الحرب الأهلية الإسبانية. بعد عامين أو ثلاثة، بدأ يعرّف عن نفسه بأنه فوضوي «anarchist».

التعليم والوظيفة المبكرة

التحق نعوم تشومسكي بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا في سن 16 عامًا. دفع تكاليف تعليمه من خلال تدريس اللغة العبرية. وسرعان ما أصبح محبطًا من التعليم الجامعي لبعض الوقت، حتى أنه فكر في ترك الدراسة والانتقال إلى ”الكيبوتس“ «kibbutz» في فلسطين. ولكن لقائه باللغوي الروسي المولد زيليغ هاريس «Zeilig Harris» غير تعليمه ومهنته. بعد تأثره بالمعلم الجديد، قرر تشومسكي التخصص في علم اللغة النظري «Theoretical Linguistics».

وضع نفسه في معارضة النظريات السلوكية «Behavioral Theories» السائدة في اللغويات «Linguistics»، التحق تشومسكي بجامعة هارفارد «Harvard» كطالب في مرحلة الدكتوراه. من عام 1951 إلى عام 1955. ظهرت مقالته الأكاديمية الأولى ”أنظمة التحليل النحوي“ «Systems of Syntactic Analysis» في مجلة المنطق الرمزي «The Journal of Symbolic Logic».

قام معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «The Massachusetts Institute of Technology، اختصارًا: MIT» بتعيين نعوم تشومسكي في عام 1955 كأستاذ مساعد «Assistant Professor» في اللغويات. هناك، نشر كتابه الأول، ”التركيبات النحوية“ «Syntactic Structures»، الذي يناقش فيه نظرية علم اللغة الرسمية التي تميز بين بناء الجملة «syntax»، بنية اللغة «language structure»، وعلم الدلالة «semantics»، والمعنى «meaning». في البداية رفض معظم اللغويين الأكاديميين الكتاب، ومنهم من عاداه بشكل علني. ولكن في وقت لاحق، تم الاعتراف به كسفرٍ أحدث ثورة في الدراسة العلمية لعلم اللغة.

في أوائل الستينيات، جادل تشومسكي ضد اللغة باعتبارها سلوكًا مكتسبًا «learned behavior»، وهي نظرية روج لها عالم النفس الشهير سكينر «B.F. Skinner»، حيث اعتقد تشومسكي أن النظرية فشلت في تفسير الإبداع «creativity» في اللغة البشرية. وفقًا لتشومسكي، لا يولد البشر كلوح فارغ «blank slate» عندما يتعلق الأمر باللغة. كان يعتقد أن النطاق الضروري من القواعد والهياكل لخلق القواعد «هي» فطرية «innate» في العقل البشري. بدون وجود تلك الأساسيات «basics»، فإن الإبداع مستحيل، في نظره.

ناشط مناهض للحرب

ابتداءً من عام 1962، انضم نعوم تشومسكي إلى الاحتجاجات ضد تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام. بدأ التحدث علنًا في تجمعات صغيرة، وفي عام 1967 نشر مقالًا مناهضًا للحرب بعنوان ”مسؤولية المثقفين“ «The Responsibility of Intellectuals» في ”مجلة نيويورك“ لعرض الكتب «The New York Review of Books». جمع كتاباته السياسية في كتاب عنونه ب ”القوة الأمريكية والماندرين الجدد“ «American Power and the New Mandarins» في 1969، وتبعها بأربعة كتب سياسية أخرى في السبعينيات.

ساعد تشومسكي في تشكيل ”جماعة المقاومة الفكرية المناهضة للحرب“ «RESIST» في عام 1967. ومن بين الأعضاء المؤسسين الآخرين كان رجل الدين ويليام سلون كوفين «William Sloane Coffin» والشاعر دينيس ليفرتوف «Denise Levertov». تعاون مع لويس كامبف «Louis Kampf» لتدريس دورات البكالوريوس في السياسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. في عام 1970، زار تشومسكي شمال فيتنام لإلقاء محاضرة في جامعة هانوي للعلوم والتكنولوجيا ثم قام بجولة في مخيمات اللاجئين في لاوس. أكسبه النشاط المناهض للحرب مكانًا على قائمة الرئيس ريتشارد نيكسون للمعارضين السياسيين.

رائد اللغويات الحديثة

واصل نعوم تشومسكي توسيع وتحديث نظرياته عن اللغة والقواعد في السبعينيات والثمانينيات. وقدم إطارًا لما أسماه ”مبادئ ومعايير“ «Principles and Parameters»، المباديء هي السمات الهيكلية الأساسية الموجودة عالميًا في جميع اللغات الطبيعية، وهي المواد الموجودة أصلاً في عقل الطفل. ساعد وجود هذه المبادئ في تفسير الاكتساب السريع للغة من قبل الأطفال الصغار. أما المعايير فهي المواد الاختيارية التي يمكن أن توفر فروقًا في البنية اللغوية، بأن تؤثر على ترتيب الكلمات في الجمل وأصوات اللغة والعديد من العناصر الأخرى التي تجعل اللغات مختلفة عن بعضها البعض.

أحدث تحول تشومسكي في نموذج مقاربة اللغة ثورة في هذا المجال. لقد أثرت على مجالات أخرى للدراسة المشابهة للتموجات الناتجة عن سقوط حجر في بركة. كانت نظريات تشومسكي مهمة جدًا في تطوير كل من برمجة الكمبيوتر «computer programming» ودراسة التطور المعرفي «the study of cognitive development».

العمل السياسي في وقت لاحق

بالإضافة إلى عمله الأكاديمي في علم اللغة، ظل نعوم تشومسكي ملتزمًا بمكانته كمعارض سياسي بارز. عارض دعم الولايات المتحدة للكونترا في معركتهم ضد حكومة نيكاراغوا الساندينية في الثمانينيات من القرن الماضي. زار المنظمات العمالية واللاجئين في ماناغوا وألقى محاضرات حول التقاطع «intersection» بين اللغويات «linguistics» والسياسة «Politics».

جادل تشومسكي في كتابه ”المثلث المصيري“ «The Fateful Triangle»، 1983، بأن الحكومة الأمريكية استخدمت الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لتحقيق أهدافها الخاصة. زار الأراضي الفلسطينية عام 1988 ليشهد آثار الاحتلال الإسرائيلي.

من بين القضايا السياسية الأخرى التي لفتت انتباه تشومسكي كانت الكفاح من أجل استقلال تيمور الشرقية في التسعينيات، وحركة الاحتلال «Occupy Movement» في الولايات المتحدة، والجهود المبذولة لإلغاء الأسلحة النووية. كما أنه يطبق نظرياته في علم اللغة للمساعدة في تفسير تأثير وسائل الإعلام «Media» والدعاية «Propaganda في الحركات السياسية «Political Movements».

التقاعد والتكريم

تقاعد نعوم تشومسكي رسميًا من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 2002. ومع ذلك، استمر في إجراء البحوث وعقد الندوات كعضو هيئة تدريس فخري. يواصل إلقاء المحاضرات حول العالم. في عام 2017، قام تشومسكي بتدريس مقرر في السياسة في جامعة أريزونا في توسان، حيث أصبح أستاذًا غير متفرغ في قسم اللغويات.

حصل تشومسكي على عدة درجات الدكتوراه الفخرية من مؤسسات حول العالم بما في ذلك جامعة لندن وجامعة شيكاغو وجامعة دلهي. غالبًا ما يُدعى كواحد من أكثر المفكرين تأثيرًا في النصف الأخير من القرن العشرين. حصل على جائزة شون ماكبرايد للسلام «Sean MacBride Peace Prize» لعام 2017 من مكتب السلام الدولي «International Peace Bureau».

إرث شومسكي

يُعرف نعوم تشومسكي بأنه ”أبو اللسانيات الحديثة“ «Father of Modern Linguistics». وهو أيضًا أحد مؤسسي العلوم المعرفية «Cognitive Science». نشر أكثر من 100 كتاب في مجالات علم اللغة والفلسفة والسياسة، منها: ”الهياكل النحوية“ «1957»، ”المثلث المصيري“ «1983»، ”موافقة التصنيع“ «1988»، ”فهم القوة“ «2002».

تشومسكي هو أحد أبرز منتقدي السياسة الخارجية للولايات المتحدة وأحد أكثر العلماء الذين يتم الاستشهاد بهم في الأوساط الأكاديمية.

تاروت - القطيف