آخر تحديث: 26 / 10 / 2021م - 6:39 م

من داخل قفص السبع

أثير السادة *

بين يدي كتاب ”بوصلة الحب والدهشة“ للشاعر والكاتب الساخر حسن السبع، وجدته صدفة يستريح بين الكتب في رفوف المكتبة، وكان النادي الأدبي بالدمام قد عمد إلى طباعته ضمن مجموعة من الإصدارات الأدبية آنذاك، قلبته باحثا عن السبع الذي عرفته كاتباً ظريفاً لسنوات، وشاعراً رقيقاً تتصالح في نصوصه الحداثة الشعرية مع الاتجاهات الكلاسيكية في الكتابة، ووجوه الشعر الحديث مع وجوه التراث، ليضفي على تجربته نكهة تشبهه شكلاً ومضموناً.

في هذه المجموعة الشعرية لم يكن السبع ساخراً كما في ”تراجيح“ بل كان مفتوناً بعناوين الحب ومواعيده، بصوره وتحولاته، ليس غزلاً بالنحو الصريح دائماً لكنه غزل على طريقته وبلغته، اشتياق وحنين ومناجاة وسفر في الحكايات الصغيرة التي يسردها كتداعيات قلب، كما لم يخلو من افتتانه بالشعراء الأوائل وهو يحاورهم ويكمل قصائدهم باعتبارها بذوراً كبرت ومازالت تكبر في مشهد الشعر.

قصائده ليس مصائد لغوية، بمعنى أنها لاتحفل بالتلغيز، يستدعي المجازات بكثير من الخفة والبساطة، ويجعلها كؤوسا من المعنى قابلة للارتشفاء لقارئ الشعر حديثه وقديمه، وفي صورة من التصالح مع الذات، يحرص على إدراج قصائد عمودية ضمن إصداره، تشعر بأنها تشبه البدايات، كما تشعر في المقابل بمساحة الحرية التي تهبها قصيدة التفعلية ومثلها قصيدة النثر، حرية الشكل والمضمون معاً، وهذا ما جعل من دروب القصيدة واسعة في إصدار ”بوصلة للحب والدهشة“.

قصيدة القفص في هذا الإصدار تحكي عن روحه القلقة من المساحات المغلقة، والفضاءات المكبلة، والجدران المتخيلة، ”للعصافير أجنحة لا تطيق السكون“، يقول السبع، ثم يصف لنا حياة الطائر في القفص، مستديرا بما يشبه الكاميرا ناحية المشهد الخارجي لهذا القفص، يسرد الأفعال الصغيرة للعناية بهذا القفص، ثم يضعنا أمام مفارقة الضيق في داخله وخارجه، لأولئك الذين يحاصرهم الضجر وهم يظنون بأنه - أي القفص - سبيلهم للتسلية، تصبح المدينة في النص قفصاً آخر، دلالة على ضيقها، وضيق هوامش الحرية فيها، ليدعو عندها العصافير للثرثرة بالقول: هاهنا قفص واسع لكل البشر.

وجدتها نصاً يصف الجانب الآخر من روح السبع، الوجه القلق في مقابل الوجه الساخر، وهو الذي يعلن بأن ”المكان بمن فيه وليس بما فيه“، هو هنا قلق على ”أمنياته اليتيمة“، ”الأمنيات الدفينة“، ومن فخاخ الوقت، و”حزن المسافة“، ومن ”مطر تتبرأ منه الغيوم“، قبل أن يعلن وحدته كرفيق في تقلبات الزمان والمكان لأنها كما يقول: لا تشاغبني، لا تؤنبني، لا تقنن ضحكي، ولا تزدري نزواتي.

هنا يبدو صاحب ”الموجة الحالمة“ كمن يجتاز هواجسه بشعره، ”بين نار وماء“ يشق الطريق إلى هويته الشعرية، التي تختار الدهشة والحب عنوانين لاستعادة العافية الشعرية، وللإجابة عن أسئلة الشعر والحياة، لكاتب اعتاد أن يقف مراقبا ومتهكما على صور الواقع وأحوال الناس.