آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 12:38 م

العقل السلفي

حسين زين الدين *

تظهر العديد من الأبحاث والدراسات واستطلاعات الرأي في الدول العربية انتشار التعصب الطائفي، وأنه يأتي في الدرجة الثانية بعد التعصب الديني، يليهما التعصب القبلي.

وتؤكد تلك الدراسات أن البعض لا يفضل العيش في مناطق إنتماءات تعددية، بل يفضل مناطق يغلب عليها أبناء الطائفة التي ينتمون إليها. وأشارت إلى أن للبعد الطائفي أهمية في تكوين شبكة علاقة الأصدقاء، مظهرة أن البعد الطائفي يؤثر سلبا في الاندماج الاجتماعي. وخلصت تلك الدراسات المتعددة إلى أن رجال الدين والإعلاميين ومن يحسبون على الثقافة والفكر لهم الدور البارز في نشر ثقافة التعصب بكافة أشكالها بشكل شعوري أو لا شعوري.

وقد نتفق جميعا أن العامل السياسي الذي يقوم على قاعدة «فرق تسد» هو من أكبر مهددات الاندماج الاجتماعي كونه يعمل على توتير العلاقات الاجتماعية وتفكيك قواها عبر غرس بذور التعصب والتصنيف والتنميط والتمييز الطائفي واللعب على الثنائيات داخل المجتمع الواحد لإضعاف المكونات المجتمعية.

وثمة عامل آخر يشكل تهديدا كبيرا للاندماج الاجتماعي في مجتمعاتنا العربية وهو «العقلية السلفية» التي تنزع بأتباعها إلى حالة التقوقع على الذات والعزلة عن التفاعل أو التلاقي بالآخر أو التثاقف معه، ترسيخا لمنسوب الإيمان بإطارها الفكري والعقدي والاجتماعي، الأمر الذي يعزز حالة القطيعة والتباعد إلى حد التناحر والاقتتال من حالة الارتداد التاريخي لإيقاع الحاضر في فخاخ الماضي.

وهنا ينبغي التّنبًه إلى مسألة في بالغ الخطورة تؤكدها التنشئة الاجتماعية والفكرية في واقع مجتمعاتنا العربية؛ حيث أن للسلفية القدرة الكافية على برمجة عقول الأطفال في سن مبكرة وتنمية اتجاهات التعصب الموهن للاندماج الاجتماعي. الأمر الذي يدفع بنا أن نولي اهتماما تجاه الاجيال القادمة.

يشير الدكتور عبد الله البريدي في كتابه «السلفية الشيعية والسنُية بحث في تأثيرها على الاندماج الاجتماعي» إلى « أن عملية الشرعنة للتمييز العنصري أو الطائفي أو التعصب التي تحدث في المجتمعات العربية إنما تتأسس في جزء منها على شرعنة التصنيف » السلبي«، أو لنقل عدم مجابهة التصنيف السلبي وضعف إدانته» ص62

وبعبارة أخرى يقول: « إن السكوت عن التصنيف السلبي الذي يُغرس ويُمارس في بعض محاضن التنشئة الاجتماعية والفكرية «المؤدلجة» - كما هي عند السلفية السنية والشيعية - لهو سبب موصل إلى التعصب بكافة أشكاله». ص62 - ص63

وتكشف أدبيات الخطاب السلفي المتعدد مدى توغله في القطيعة مع الآخر عبر ممارسات عديدة تشرعن « التصنيف السلبي والتعصب والتنميط» التي تفضي إلى التقوقع داخل الذات الجماعية، وتخدير طرق التواصل والتفاعل الذي يمكن أن يفضي إلى فضاءات التعايش والاندماج الاجتماعي.

ومع التحولات المتسارعة في المجتمع العربي في مرحلة مابعد الربيع العربي وما أفرزه من اصطفافات مجتمعية إقليمة دولية، وتزايد نسبة خطاب التطرف والتشدد وماتركه من تأثير على النسيج الاجتماعي إلى درجة الاقتتال هنا وهناك. كل هذه المؤشرات تدفعنا إلى القول ليس من باب التشاؤم: إن القادم قد يكون أعظم وأسوء، وقد نسمع مايقلق ويخيف بحكم تدفق مشاريع إقليمية عابرة للحدود.

يقول غسان شربل في مقالته «سقوط التعايش»: « واضح أننا في الطريق إلى الشرق الأوسط الرهيب لا الجديد، شرق أوسط سقطت فيه تجربة التعايش بين المكونات المختلفة وهو ما ينذر بتمزق الدول والخرائط، إننا نواجه بالتأكيد ماهو أخطر من سقوط برلين، وما هو أخطر من انفجار يوغسلافيا. إننا نواجه نكبة لا مبالغة في القول إنها قد تكون أخطر وبكثير من نكبة فلسطين على رغم أهوال النكبة الأولى. إنها نكبة سقوط التعايش. برامج عنيفة عابرة للحدود وتطلعات تتعامل مع الخرائط كما يتعامل السجين مع جدران سجنه».