آخر تحديث: 17 / 9 / 2021م - 12:58 ص

تأملات في السرد القصصي

محمد الحرز * صحيفة اليوم

الرؤية إلى القصة القصيرة من منظور الاشتباك السردي بين ما هو واقعي وما هو متخيل أو غرائبي في بعض الأحيان، بحيث يصعب فك الاشتباك دون الإخلال بمكونات القصة، التي تأتي ضمن هذا السياق، من قبيل الحبكة، والتماسك السردي، والدلالة، والإيحاء والتكثيف، هي رؤية تفتح الباب على مصراعيه لأخذ السرد القصصي إلى مغامرات في الكتابة تمتاز بالجدة وسعة المخيلة وانفتاحها اللامحدود على الإمكانات، التي يتيحها مثل هذا الاشتباك.

وعلى هذا الأساس، يمكن مقاربة بعض القصص وفق هذا المعيار دون إغفال الجوانب الأخرى منها كالمكان والزمان والوصف والشخصية. في قصتها «رعب في الحظيرة» للقاصة إيمان أحيا تنطوي على مغزى عميق في دلالتها وإيحائها، وهي في ذات الوقت لا تخرج من المواقف اليومية، التي يعيشها أي إنسان، فهي تضعك أمام امتحان صعب لا يمكن أن تتنبأ بالسلوك، الذي يمكن أن تمارسه حيال هذه المواقف. فأنت تتساءل مع السارد حين تقف فتاة لتجمع البيض من الحظيرة في عمل شبه يومي تقوم به بحب وبشغف لا مثيل له.

لكنها تتفاجأ بالنمل الأسود يغطي البيض، وسرعان ما تدرك أن ثمة جثة كاملة هي السبب في وجوده. تتحرك الجثة فيدب الرعب في المكان وتهرب الشخوص المحيطة بالفتاة من المكان، وتضطرب مشاعر الفتاة. لكنها بالنهاية تواجه هذا الشبح بقوة وشجاعة لا تعلم كيف تلبستها أو من أين حصلت عليها؟. لكن الأهم هو ما توحي به القصة بعد استثمار هذا الموقف بين إظهار واقعيته وبين ما يتخلله من عنصر متخيل، من فقدان للبراءة في تجميع البيض بعدما قاومت الشبح بضربه والتخلص منه.

قصة «باميلا» للقاصة عبير موافي بشيري يتقاطع فيها السرد الواقعي والأسطوري، هذا التقاطع يعطي القصة جانبين يدعم كل منهما الآخر ويعززه، الأول يسرد حياة فتاة اسمها باميلا وتتعلم على يد والدها كل أساليب الحياة وطرقها، وكأنه يهيئها لاحقا لما سوف تقوم به من مهمة. وهي تعيش في قرية قريبة من جبل يسمى «الشبح» ومَنْ يصعد إليه لا يعود، وقد سرت هذه الحكاية في حياة سكان القرية. وحالما يقرر والدها وأبناء قريته الكشف عن سر الذين صعدوا ولم يعودوا، فإنهم يذهبون لكنهم يتراجعون في منتصف الطريق، ما عدا والدها الذي يواصل السير، حيث يختفي وتطول غيبته. ثم تقرر باميلا البحث عنه، بعد سنين طويلة لتكتشف بعد رحلة طويلة بحيرة من الثلج وترى والدها ميتا ومتجمدا مثل لوح ثلجي تحت البحيرة. هنا نصل للجانب الآخر من القصة، إذ بعد أن ينالها التعب في إخراجه من تحت الجليد، يحل الغروب فيتشقق الجليد وتطفو جثة والدها ومعها جثث بقية مَنْ غابوا، ويتحول ماء البحيرة إلى مكان مقدس يؤمه الناس للتبرك به والتشافي عنده.

أما قصة «العابر خفيفا.. خفيفا» للقاص عبدالله بشير عبيدالله، فهي تظهر الجانب النفسي وما يدور في خلد الجنود، الذين يواجهون خطر الموت من خلال صوت الرصاص والقنابل والشظايا والجراح، التي تنز من الأجساد.

البطل الذي يسرد كيف كان محاطا بمجموعة من الممرضين والأطباء يحاولون إنقاذه نراه يفاجئنا بتسلله من جسده من تلك الجراح المفتوحة. يحلق بروحه في المكان، يرى أرواحا خرجت من أجسادها متجهة إلى الأفق، يرى صاحبيه الذين كانا معه قبل قليل في ساحة المعركة، ويجري حوارا معهما وينصحاه بالرجوع إلى الحياة لأنه لم يتلوث بدم الضحايا. يعود مرة أخرى إلى الجسد بعد أن يتم تطبيبه. الوصول إلى أقصى نقطة في خلجات النفس الإنسانية، لا تتم إلا من خلال سرد مثل هذه المواقف، وما يزيدها عمقا ودلالة وإيحاء هو استثمار الطاقة السردية للمخيلة.