آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 12:04 م

هواياتنا.. هوياتنا

أثير السادة *

لا أذكر أن أحداً دفعني للتعلق بهواية ما في صباي، بل كانت في الغالب أشياء صغيرة تحرضني للاتصال بهواية جديدة في كل مرة، فالمسافة ما بين البيت والمدرسة مثلاً كانت سبباً في عبوري من بقالة الحي في الصباح الباكر، وتجربة اقتناء مجلة ماجد التي كان يعرضها للبيع بعد قراءتها الإبن الأصغر لصاحب الدكان هناك، المرة الأولى التي تخليت فيها عن مصروفي المدرسي لشراء مجلة باذخة الألوان كانت الباعث على الدخول في عالم هواة المراسلة وقراءة المجلات!.

بذات النحو من الصدف العابرة كنت أعبر من هواية لأخرى، بلا سابق تخطيط، في دروب الحي نتبادل الحديث الطفولي عن يومياتنا، ويتحدث كل واحد عن لعبته الجديدة، الطفل الذي يكبرني ببضع سنوات كان يطمع في سيارتي الصغيرة بجهاز التحكم السلكي، وأنا أفتح نافذة الخيالات يومها طمعا في جهاز المذياع الصغير الذي أمطرني بمديحه.. أخذ السيارة وأخذت المذياع، وصرت من يومها أهوى الاستماع إلى الإذاعات، والبحث عن برامج المستمعين، أجمع منه الحكايات، وأترك على بابه رسائلي في العمر التالي، اجتاز به من محطة عمرية لأخرى، وأنا أحلم أن أكون مذيعاً ذات يوم، قبل أن ينصرف الحلم ليصبح مجرد رغبة أتوسدها قبل ساعة النوم.

كانت الرسائل التي أخطها تهبني لذة العبور إلى مكتب البريد المجاور للبيت، أضع في الصندوق الخارجي الرسالة وأرحل، لأجد أنها لا تصل. أعود لأكتشف حاجتي لوضع طابع بريدي على الظرف، وتبدأ من تلك اللحظة هواية لم تصمد طويلاً، وهي جمع الطوابع، حيث أبدلتها في ذروة الحماسة الدينية بهواية جمع صور العمائم وتزيينها في ألبوم.

من الرسائل وقراءة المجلات والإذاعات تقدمت خطوة باتجاه هواية الكتابة، كنت يومها أشتري الجرائد الكويتية التي يحجزها البائع الهندي عباس في مكتبة عبير لأخي الأكبر، أتطفل على محتوياتها، وأنظر بإعجاب لصور الكتاب وأسمائهم، تنتفض في داخلي كل أحلام المراهقين بالشهرة، والظهور على صفحات الجرائد، فأعصر في رأسي كل دروس التعبير من أجل صياغة سطرين أو ثلاثة لتهبني المرور من صفحات القراء بالجريدة.

فرحي بالنشر لأول مرة لا يعادله إلا فرح التخرج من الجامعة، صار هاجس النشر ضاغطاً، لكن الرأس فارغ من الأفكار، تحرضني زاوية الكلمات المتقاطعة في جريدة اليوم، وهي تفتح أبوابها للقراء للمشاركة في تصميمها، هناك أجدني في موعد مع القدر ومع هواية جديدة، هواية حل الكلمات المتقاطعة بل وصناعتها، صارت معاجم اللغة سبيلي لجلب الكلمات، والتلصص على الصحف الأخرى، كان هاجسي أن أرى شبكة الكلمات المتقاطعة مذيلة بإسمي، وإسم مديني، وحتى الحي!.

البريد الذي ابتعد كثيرا عن بيتنا جعلني أعقد صفقة مع إبن عمي ”زكي“ الذي كان يرافق والده إلى مكتب البريد، بأن يكون له من كل شيء نصيب، فإذا ما كتبت مقالات أو رسمت شبكة كلمات متقاطعة، جعلت له واحدة تنشر بإسمه، وعندما امتدت بي الهواية وصارت هوسا رحت أتابع برنامجا اذاعيا يبث من إذاعة الرياض بعنوان ”شبكة عبر الأثير“، وهي عبارة عن مسابقة أسبوعية بجوائز مغرية لطالب في مطلع المرحلة الثانوية، أسجل بالمسجلة الحلقة كاملاً، وبعدها أرسم الشبكة وأكمل معلوماتها، لتوضع في رسالة بريدية وتصل إلى الرياض. كان الحظ حليفنا يومها، فبعد مشاركتين غير ناجحتين، فاز محدثكم بمبلغ 200 ريال وتقاسمتها آنذاك مع رفيق الرسائل البريدية.

لم ينقطع وصلي مع هواية الكلمات المتقاطعة، وجدتها سلوتي في أيام الجامعة، أشتري جريدة الحياة، واقتطع منها ما يكفي لقطع الوقت في الحصص المملة، كنت أوزع على الأصدقاء ما يفيض منها في الحصص الطويلة، يتأخر المدرس في شرحه، وأتأخر في إتمام الشبكة طمعاً في تصريف الوقت الثقيل.

ثمة هوايات تغادرنا، وأخرى تستقر معنا طويلاً، ربما لا نعرف لها تفسيراً، وربما لا نجد لها قيمة، لكنها تبقى وجهاً من وجوه ذاكرتنا، ويومياتنا، ولها أثر ظاهر أو باطن في تكويننا، يمضي الوقت وتبقى تلوح لنا بأفعالها، ولو تحدثت عن الصورة الفوتوغرافية كواحدة من الهوايات الصامدة في سيرتي الشخصية لوجدت أني وقفت على بابها في فصول كثيرة، وهو ما لا يتسع له المقام كما يقول الخطباء..